المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه الاثنين١٤-٨-١٤٤٧هـ


الحمدان
02-08-2026, 06:35 AM
فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه
لفضيلة الشيخ أ.د سعد بن تركي الخثلان وفقه الله
الاثنين ١٤-٨-١٤٤٧هـ
[أحكام صلاة الجماعة(٤)+ أحكام الإمامة]

١/ في الحديث: «إذا أم أحدكم الناس، فليخفف فإن فيهم الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء».
وجاء في حديث أنس: «أن رسول الله ﷺ كان من أخف الناس صلاة في تمام، وقوله أيضا: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتم من النبي ﷺ وإن كان ليسمع بكاء الصبي، فيخفف مخافة أن تفتن أمه».

٢/ التخفيف في الصلاة ينقسم إلى قسمين: تخفيف عارض، وتخفيف لازم، أما التخفيف العارض فهو أن يكون هناك سبب يقتضي الإيجاز عما جاءت به السنة، ودليله قول النبي ﷺ: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه».
وهذا يدل على أنه إذا عرض لأحد المأمومين عارض، فينبغي للإمام أن يخفف الصلاة، مثال ذلك: إذا طرأت على أحد المأمومين كحة متواصلة أو عطاس متواصل فيسن للإمام أن يخفف الصلاة مراعاة له، ولو حصل العارض للإمام نفسه فمن باب أولى أن يخفف، كما جاء في الصحيحين: «أن النبي ﷺ قرأ سورة المؤمنون فأخذته سعلة فركع».

٣/ أما التخفيف اللازم، وهو ألا يتجاوز ما جاءت به السنة، فمنهم من قال بأنه مستحب، ومنهم من قال بوجوبه؛ لأن النبي ﷺ غضب غضبا شديداً لما قال له رجل: والله يا رسول الله! إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، قال أبو مسعود: فما رأيت رسول الله الله في موعظة أشد غضباً منه يومئذ، ثم قال: «إن منكم منفرين، فأيكم صلى بالناس فليتجوز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة».

٤/ كذلك أنكر النبي ﷺ على معاذ لما طول الصلاة واشتكى منه بعض المصلين، وقال: يا معاذ، أفتان أنت! أفتان أنت! أفتان أنت! فلولا صليت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى»، وهذا الإنكار الشديد والغضب الشديد من النبي ﷺ يقتضي أن يكون التخفيف واجباً وليس مستحبا، وهذا هو القول الراجح.

٥/ المراد بالتخفيف: ليس المقصود به ما يريده بعض من يسميهم ابن القيم بالبطالين الذين يريدون من الإمام أن يخفف الصلاة تخفيفا شديداً، يقتصر مثلاً على تسبيحة واحدة في الركوع وفي السجود، وإنما المقصود بالتخفيف أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة، وقال بعض أهل العلم المقصود بالتخفيف موافقة السنة، وهذا هو القول الصحيح، وهذا هو الذي عليه المحققون كالإمامين ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله-.

٦/ ليس المقصود أن يقتصر على أدنى الكمال، لأننا إذا قلنا بذلك فإنه يسبح في الركوع وفي السجود ثلاث مرات، والسنة أن يسبح عشر مرات، ولذلك الصحيح أن المراد بالتخفيف موافقة السنة، قال ابن القيم: فالتخفيف أمر نسبي يرجع إلى ما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه، وقد علم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به، فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها، وهديه الذي كان واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون، ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بـ (الصافات)، فالقراءة بـ (الصافات) من التخفيف الذي كان يأمر به».

٧/ ينبغي أن يفهم قول النبي ﷺ: «فليخفف» الفهم الصحيح، وهو الموافقة للسنة، فمثلاً: لو أن الإمام قرأ بالناس سورة البقرة، فيعتبر هذا تطويلاً، لكن لو أنه قرأ بهم في صلاة الفجر يوم الجمعة بالسجدة والإنسان، فهذا تخفيف، لأنه موافق للسنة.

٨/ ينبغي مراعاة أحوال الناس، فالناس في وقتنا الحاضر ليسوا كالناس في زمن الصحابة، فلو أن إمامًا أم الناس بالصافات لربما استثقلوا ذلك وعدوه تطويلاً، فإذا كان ذلك يسبب تنفيرًا لجماعة المسجد أو أكثرهم فلا يفعل، وإنما يراعي أحوالهم، ولا ينفر الناس وفي قول النبي ﷺ: «إن منكم منفرين» إشارة إلى أنه ينبغي للإمام ألا يفعل ما فيه تنفير للمأمومين.

٩/ لا بأس بالتطويل بشرط أن يكون عدد المأمومين محصوراً، أما إذا كان عددهم كثيراً، فإنه يكره التطويل حتى لو قال بعضهم: نرغب في التطويل، لأنه يبعد ألا يكون فيهم من يشق عليه التطويل.

١٠/ يسن للإمام انتظار من سمعه يدخل في المسجد ما لم يشق على المأموم، واستدل بعض الفقهاء لهذا بحديث عبدالله بن أبي أوفى قال: «إن النبي ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم»، وهذا حديث ضعيف، لكن يغني عنه الحديث السابق: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه»، فقد غير النبي ﷺ هيئة الصلاة من أجل مصلحة شخص واحد، فكذلك هنا.

وأيضا استدل بعض العلماء بحديث أبي قتادة أن النبي ﷺ كان يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ في الثانية، قالوا: والحكمة من التطويل في الأولى: أن يدرك الناس الركعة الأولى، فهنا التطويل مراعاة لبعض أحوال الناس، فكذلك انتظار الداخل.

١١/ كذلك في انتظار الداخل يراعي الإمام أحوال المأمومين معه؛ لأن حرمة الذين معه من المأمومين آكد وأعظم من حرمة الذي لم يدخل معه، فإذا كان يشق ذلك على المأمومين فلا يطيل.

١٢/ أضاف ابن قدامة قيداً آخر، وهو أن تكون الجماعة يسيرة، أما إذا كانت كثيرة فيبعد ألا يكون فيهم من يشق عليه، ولذلك فإنه لا ينتظر الداخل.

١٣/ حكم منع المرأة من الذهاب إلى المسجد: جاء في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». وهل حكم منع المرأة من الذهاب إلى المسجد الكراهة أو التحريم؟
المذهب عند الحنابلة أنه مكروه، وقال بعض أهل العلم: إن منع المرأة من الذهاب إلى المسجد محرم؛ لأن الأصل في النهي يقتضي التحريم، خاصة وقد وردت هنا قرينة تدل على التحريم، وهي قوله: «إماء الله مساجد الله»، فإن فيه إشارة إلى توبيخ المانع، فكأنه يقال له: إن هذه ليست أمة عندك، بل هذه أمة الله، وأيضا المسجد ليس بيتك، وإنما هو بيت الله، فهذا فيه نوع توبيخ يشعر بأن النهي المقصود به التحريم، وجاء في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله ﷺ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، فهذا يدل على أن هذا فهم الصحابة.

١٤/ جاء في صحيح مسلم عن ابن عمر أنه حدث بهذا الحديث: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، فقال ابنه بلال: والله لنمنعهن، لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دغلاً، فضرب ابن عمر في صدره وقال: أقول لك: قال رسول الله ﷺ، وتقول: والله لنمنعهن، فزجره ابن عمر لأنه لم يعظم كلام النبي ﷺ، وهذا من باب التأديب، وعليه فليس لرجل أن يمنع المرأة من الذهاب إلى المسجد.

١٥/ قوله: «وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا»، هذا جاء في بعض روايات حديث ابن عمر: وهذا يدل على أن الأفضل للمرأة أن تصلي في بيتها، ويستثنى من ذلك صلاة واحدة وهي: صلاة العيد؛ لأن النبي ﷺ أمر أن تخرج العواتق وذوات الخدور حتى الحيض إلى المصلى.

١٦/ بعض النساء إذا صلين في بيوتهن صلاة التراويح قد يكسلن، لكن لو صلين مع الناس في المسجد يكون ذلك أنشط لهن وأكثر خشوعاً، فالظاهر أن المسجد في هذه الحال أفضل في حقهن، وإن كان الأصل أن البيت أفضل، لكن قد يقترن بالمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل كما هو معلوم.

١٧/ جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلما وفي رواية سناً، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه».

١٨/ اختلف الفقهاء هل يقدم الأفقه أم الأقرأ: فمنهم من قال يقدم الأقرأ وهو مذهب الحنابلة واستدلوا بالحديث المتقدم وكذلك حديث ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون قبل مقدم رسول الله ﷺ كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً، وحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم».
القول الثاني في المسألة: أن الأفقه يُقدم على الأقرأ إذا كان يقرأ ما يكفي في صلاته، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: من الحنفية والمالكية والشافعية.
واستدلوا بقول النبي ﷺ في مرضه: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، وكان ثمة من هو أقرأ منه كأبي بن كعب، ولأن الفقيه أعلم بفقه الصلاة، فيؤديها على الوجه المشروع، ولا يكون فقيها إلا إذا كان يحفظ من القرآن ما يكفي في الصلاة، بخلاف الأقرأ، فإنه ربما لا يؤدي الصلاة على الوجه المشروع، وربما نابه شيء في صلاته، فلا يدري ماذا يفعل، والأفقه يدرك هذا كله.

١٩/ الأقرب -والله أعلم- أن الأفقه يقدم على الأقرأ، وأما قول النبي ﷺ: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله»، فمحمول على أن الأقرأ في عهد النبي ﷺ كان هو الأفقه، لأنهم كانوا إذا قرؤوا القرآن تعلموا معه أحكامه، وكان لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعاً.

٢٠/ كذلك تراعى صفة التقوى بينهما: فيقدم الأتقى الأقرأ على الأفقه، ويقدم الأتقى الأفقه على الأقرأ؛ ولهذا قال الإمام ابن تيمية رحمة الله: «فإذا كان الرجلان من أهل الديانة، فأيهما كان أعلم بالكتاب والسنة وجب تقديمه على الآخر، فإن كان أحدهما فاجراً مثل أن يكون معروفاً بالكذب والخيانة ونحو ذلك من أسباب الفسوق والآخر مؤمنا من أهل التقوى، فهذا الثاني أولى بالإمامة إذا كان من أهلها، وإن كان الأول أقرأ وأعلم؛ فإن الصلاة خلف الفاسق منهي عنها نهي تحريم عند بعض العلماء ونهي تنزيه عند بعضهم».

٢١/ صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره سواء كان زائراً أو ضيفاً، حتى وإن كان أقرأ وأفقه، والدليل على أن صاحب البيت والإمام الراتب أحق بالإمامة حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَؤمن الرجُلُ الرجُلَ في سُلطَانه، وَلَا يَقعُد في بيته عَلَى تَكرمته إلا بإذنه»، وفي لفظ: «وَلَا يوم الرجُلُ الرجُلَ في بيته»، وحديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال: «من زار قومًا فلا يَؤُمهُم، وَلَيَؤُمهُم رَجُلٌ منهم».

٢٢/ إمام المسجد في معنى صاحب البيت، ولقول النبي ﷺ: «وَلَا يَؤُمن الرجل الرجُلَ في سُلطانه»، وإمام المسجد في مسجده سلطان فيه، ولهذا لا تقام الصلاة إلا بحضوره وإذنه.

٢٣/ إذا اجتمع المالك والمستأجر فالمستأجر أولى بالإمامة؛ لأن المستأجر مالك لمنفعة البيت، ومن توابع هذه المنفعة الإمامة.

٢٤/ استثنى الفقهاء من هذا السلطان الأعظم، فقالوا: هو أولى بالإمامة من إمام المسجد الراتب، ومن صاحب البيت.