تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه الاثنين ١١-١٠-١٤٤٧هـ


الحمدان
04-05-2026, 10:40 AM
فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه
لفضيلة الشيخ أ.د سعد بن تركي الخثلان
وفقه الله الاثنين ١١-١٠-١٤٤٧هـ
[من يعذر في ترك الجمعة والجماعة؟]

١/ قال ابن المنذر: «لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض»، ويدل لذلك عموم الأدلة الدالة على رفع الحرج عن المكلفين، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولما مرض النبي ﷺ لم يصل بالناس وقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس».

٢/ لو خاف الإنسان إذا ذهب للصلاة مع الجماعة أن يمرض أو أن يزيد مرضه أو يتأخر برؤه كان ذلك عذراً له في ترك الجمعة والجماعة.

٣/ بعض الناس يكون عنده مرض يسير لا يلحقه معه حرج ولا مشقة، ومع ذلك يفتي نفسه بترك الجماعة، وقد قال ابن مسعود: «ولقد كان الرجل يُؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف».

٤/ الجمعة آكد من الجماعة، ولهذا قال بعض الفقهاء: تلزم الجمعة دون الجماعة من لم يتضرر بإتيانها راكباً أو محمولاً؛ لأن صلاة الجمعة صلاة واحدة في الأسبوع ولا بدل لها إذا فاتت بخلاف الجماعة، فإن المشقة تعظم بحضورها لتكررها، وربما تلحق المنة بمساعدة غيره له، فلم تلزم.

٥/ من أعذار ترك الجماعة: قول النبي ﷺ: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان».

٦/ جاء في* حديث عائشة أن النبي ﷺ قال:«إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء». وفي حديث أنس قال: "إذا قدم العشاء، فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم"؛ وذلك لأن الناس في عهد النبي ﷺ كان عشاؤهم قبل المغرب، وينامون بعد العشاء، ولا ينامون بعد الفجر.

٧/ اشترط العلماء شروطاً لاعتبار حضور الطعام عذراً في ترك الجماعة:
الشرط الأول: أن تتوق نفسه إلى الطعام؛ لأن المعنى الذي لأجله أُبيح ترك الجماعة -وهو تشويش ذهنه واشتغال قلبه بالطعام- منتفٍ إذا لم تتق نفسه للطعام، فإذا لم يكن جائعاً فليس له أن يعتذر بحضور الطعام بين يديه في ترك الجماعة.
الشرط الثاني: حضور الطعام بين يديه؛ لقول النبي ﷺ: «لا صلاة بحضرة طعام» فعلق الحكم بحضور الطعام، وفي الحديث الآخر: «إذا قدم العشاء». والحديث الآخر : «إذا وضع العشاء»، وبناءً على ذلك: إذا لم يحضر الطعام بين يديه فليس له ترك الجماعة، حتى ولو كان جائعاً ونفسه تتوق إلى الطعام، فلابد من حضور الطعام وتقديمه بين يديه.
الشرط الثالث: ألا يجعل ذلك عادة له بحيث لا يقدم الطعام إلا قبيل إقامة الصلاة، لأنه إذا كان ذلك عادة له فهذا قد يكون حيلة في ترك الجماعة.

٨/ أضاف بعض العلماء شرطاً رابعاً: وهو ألا يأكل إلا بمقدار ما تنكسر به نهمته وتسكن نفسه، ومن ثم يلحق بالجماعة، والصحيح عدم اشتراط هذا الشرط، وأن له أن يأكل حتى يشبع، وقد نص على هذا الإمام أحمد، ويدل له حديث ابن عمر السابق: «إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه»، وكان ابن عمر: «يُوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام». فقوله: «ولا يعجل حتى يفرغ منه» هو كالنص في هذه المسألة.

٩/ إذا أحس الإنسان بالبول أو الغائط فله أن يقضي حاجته، ولو أدى ذلك إلى تفويت الجماعة، بل إن صلاته مع مدافعة الأخبثين مكروهة، كما أن صلاته مع حضور الطعام مكروهة.

١٠/ يقاس على البول والغائط: الريح، فإن من الناس من يكون عنده غازات في بطنه، فهي في معنى الأخبثين، فيكون احتباس الريح عذراً له في ترك الجماعة.

١١/ ما تقدم يدل على عناية الشريعة بالخشوع في الصلاة، حيث أجازت ترك الجماعة حتى يزول ما قد يكون سبباً لتفويته؛ لأن الخشوع في الصلاة هو روح الصلاة ولبها والمقصود الأعظم منها.

١٢/ يعتبر الخوف عذراً في ترك الجماعة، وقد قسمه الفقهاء إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الخوف على نفسه من لص أو سبع أو سيل.
القسم الثاني: الخوف على ماله مثل أن يخاف على ماله من لص، أو يخشى على منزله أن يسرق، أو يخاف على سيارته، ومن هذا أيضًا ما لو كان له خبز في التنور ويخشى أنه لو صلى الجماعة احترق خبزه فيكون ذلك عذراً له في ترك الجماعة، قال الفقهاء: ولو كان له طبيخ على النار يخاف تلفه يكون عذراً له في ترك الجماعة.
القسم الثالث: أن يخاف على أهله أو ولده.

١٣/ لو كان هناك عُمال يصبون خرسانة مسلحة، ولو أنهم صلوا مع الجماعة لربما يبست وفاتت المصلحة، فهم معذورون في ذلك، لكن يُنبهون على أنه متى ما انتهوا من عملهم يصلون جماعة.

١٤/ في وقتنا الحاضر حراس الأمن والشرطة هؤلاء يحرسون الناس، أو الأموال، فهم معذورون في ترك الجماعة، فلا بأس أن يصلوا وحدهم، بل هم معذورون حتى في ترك الجمعة، بل هم أولى بالعذر ممن له خبز في التنور، أو طبيخ على النار يخاف تلفه.

١٥/ إذا تأذى بمطر أو وحل أو ثلج أو ريح باردة بليلة مظلمة فهذا كله عذر في ترك الجماعة، وقد كان النبي ﷺ إذا أتت الليلة المطيرة قال: «صلوا في الرحال»، كما جاء في حديث ابن عمر، قال البخاري في صحيحه: «باب الرخصة في المطر والعلة في أن يصلي في رحله ثم ساق بسنده عن ابن عمر أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: «أَلا صَلوا في الرحال». وورد عن ابن عباس أنه لما بلغ المؤذن حي على الصلاة قال: قل: «الصلاة في الرحال، فأنكر بعضهم عليه فقال: فعله من هو خير مني: رسول الله ﷺ، إنها عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم ».

١٦/ إذا كان هناك مطر غزير ،أو كان هناك وحل فيه مشقة على الناس يستحب للمؤذن أن يزيد في الأذان صلوا في بيوتكم، إما بعد الفراغ من الأذان أو بعد قوله حي على الفلاح. وهذه السنة لا يكاد يعمل بها في الوقت الحاضر، والعمل بهذه السنة أولى من الجمع.

١٧/ ذكر الفقهاء من الأعذار: خوف فوات الرفقة؛ وعللوا لذلك بأنه لو ألزم بأداء الجمعة والجماعة قد يلحقه الضرر بفوات مقصوده من الرفقة، ثم إنه ينشغل قلبه كثيراً، وإذا كان الشارع قد رخص في ترك
الجماعة لمن هو بحضرة الطعام أو وهو يدافعه الأخبثان لئلا يتشوش فكره، فهذا الذي يخشى فوات رفقته من باب أولى.

١٨/ في وقتنا الحاضر يقاس على فوات الرفقة خشية فوات إقلاع الطائرة، فإذا كان وقت إقلاع الطائرة قريباً، ولو صلى مع الجماعة لربما فاتته الطائرة، فلا بأس أن يصلي وحده ويكون ذلك عذراً له في ترك الجماعة والجمعة، ويصليها ظهراً.

١٩/ تطويل الإمام يعتبر عذراً في ترك الجماعة، لكن إذا كان التطويل زائداً على ما أتت به السنة، ودليل ذلك قصة معاذ، وفيها: أن معاذاً لما أطال صلاة العشاء، فقرأ سورة البقرة، انفتل رجل وصلى وحده، وأقره النبي ﷺ على ذلك، فإذا أطال الإمام تطويلاً زائداً عما جاءت به السنة فللمأموم أن ينفتل ويكمل صلاته وحده، ويكون هذا عذراً له في ترك الجماعة.

٢٠/ من السنة أن يقرأ الإمام غالباً في صلاة الفجر بطوال المفصل من ق إلى النبأ وفي المغرب بقصاره من الضحى إلى الناس وفي العشاء بأواسطه من النبأ إلى الضحى.

٢١/ من كان مرضه معدياً فليس له حضور المسجد؛ لحديث «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، مع أن الأمور بيد الله «فلا عدوى ولا طيرة»؛ لكن لله سنن، ومنها أن هذه الأمراض تنتقل بالمخالطة.

٢٢/ كان نبينا ﷺ يقول كما عند أبي داود بسند صحيح « اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ البرصِ والجنونِ والجذامِ ومن سيِّئِ الأسقامِ».

٢٣/ أصحاب الأمراض المستعصية والمزمنة إن صبروا ورضوا كان أجرهم عظيماً؛ كما جاء في الحديث عند البخاري: أن امرأة «أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالت: إنِّي أُصرَعُ، وإنِّي أتَكَشَّفُ، فادعُ اللهَ لي، قال: إن شِئتِ صَبَرتِ ولَكِ الجَنَّةُ، وإن شِئتِ دَعَوتُ اللهَ أن يُعافيَكِ، فقالت: أصبِرُ، فقالت: إنِّي أتَكَشَّفُ، فادعُ اللهَ لي ألَّا أتَكَشَّفَ، فدَعا لَها».

٢٤/ الصحابي الجليل عمران بن حصين أصيب بمرض ومكث معه ثلاثين عاماً فكانت الملائكة تسلم عليه عند السحر فاكتوى فأصبحت الملائكة لا تسلم عليه ثم قبل وفاته ترك الكي فعادت الملائكة تسلم عليه كما جاء في صحيح مسلم.

٢٥/ أجمع العلماء على أن المريض إذا كان لا يطيق القيام يصلي قاعداً، وإذا لم يستطيع أن يصلي قاعداً صلى على جنبه؛ ويدل لهذا ما جاء عن عمران بن حصين، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب».

٢٦/ البواسير جمع: باسور. ويقال: ناسور، وهو مرض يحدث فيه تمدد وريدي في الشرج. وحديث عمران أصل في صلاة المريض.

٢٧/ إذا كان يستطيع القيام لكن يخشى أن يلحقه ضرر، أو زيادة مرض، أو تأخر برء فله أن يصلي قاعداً، والمرجع في هذا للأطباء الثقات، إذا قال له الطبيب: إذا صليت قائماً زاد مرضك أو تأخر برؤك، أو حصل لك ضرر، فله أن يصلي قاعداً، فلا يفتي نفسه بنفسه، وإنما يسأل الطبيب في هذا.

٢٨/ يجوز أن يصلي قاعدًا إذا شق عليه القيام مشقة شديدة، وضابط المشقة الشديدة: ما يفوت الخشوع في الصلاة بسببها، فإن كان المريض إذا صلى قائماً لم يطمئن في صلاته ولم يخشع بسبب القلق أو الألم، وتشوف للفراغ من القراءة والركوع، جاز له أن يصلي قاعداً، ويدل لهذا ما جاء في الصحيحين عن أنس «أن النبي ﷺ ركب فرسا فصرع -يعني: سقط- فجحش شقه الأيمن، فصلى قاعداً». وقوله: (جحش) الجحش هو: الخدش، وقشر الجلد. قال ابن قدامة: «الظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام بالكلية؛ لكن لما شق عليه القيام سقط عنه، فكذلك تسقط عن غيره».

٢٩/ إذا صلى المريض قاعداً لعدم قدرته، أو لكون القيام يشق عليه، أو يلحقه الضرر، فإن أجره يكون تاماً كأجر القائم، ويدل لذلك ما جاء عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً».

٣٠/ إذا صلى قاعداً فالسنة أن يكون متربعاً، وذلك بأن يجلس على إليتيه، ويجعل باطن قدمه اليمنى تحت الفخذ اليسرى، وباطن القدم اليسرى تحت الفخذ اليمنى، كما جاء عن عائشة قالت: «رأيت النبي ﷺ يصلي متربعا»؛ ولأن التربع أرفق بالإنسان في الغالب، وأكثر طمأنينة وارتياحاً.