المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه [أحكام صلاة العيدين ] الاثنين ١-١٢-١٤٤٧هـ


الحمدان
05-24-2026, 01:44 PM
فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه
لفضيلة الشيخ أ.د سعد بن تركي الخثلان وفقه الله
الاثنين ١-١٢-١٤٤٧هـ
[ أحكام صلاة العيدين]

١/ العيدان تثنية عيد، وسمي بهذا الاسم: لأنه يعود ويتكرر، أو من باب التفاؤل: ليعود ثانية، والمراد بالعيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى، و كلاهما يقعان فى مناسبة شرعية، أما مناسبة عيد الفطر فهي انقضاء شهر رمضان بعد تعبد المسلمين فيه لله تعالى بالصيام والقيام وفعل ما تيسر من صالح الأعمال، وأما عيد الأضحى فيأتي في مناسبته اختتام عشر ذي الحجة، فقد جاء عن عبدالله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر .

٢/ هناك عيد ثالث للمسلمين: وهو الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وقد ورد في بعض الروايات تسميتها عيداً. هذه أعياد المسلمين، ولا يجوز اتخاذ غيرها من الأعياد عيداً، واتخاذ غيرها عيداً من البدع المحدثة في الدين.

٣/ أول عيد شرع في السنة الثانية من الهجرة، وكان عيد الفطر، كما جاء عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال «ما هذان اليومان»؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى، ويوم الفطر».

٤/ لا بأس بإظهار الفرح والسرور يوم العيد، بل الظاهر أن ذلك مشروع، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، فالمسلم يفرح يوم العيد بفضل الله عليه بأن وفقه للصيام والقيام وفعل ماتيسر من صالح الأعمال، ولهذا كان ﷺ يلبس في العيدين أحسن الثياب.

٥/ الفرح المشروع: هو الفرح المنضبط بالضوابط الشرعية، لا الفرح الذي يكون فيه المخالفات.

٦/ اختلف العلماء في حكم صلاة العيد على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها فرض كفاية، وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة.
والقول الثاني: أنها سنة، وهذا هو مذهب المالكية والشافعية.
والقول الثالث: أنها فرض عين، وهذا هو مذهب الحنفية.

٧/ استدل من قال بأنها فرض كفاية بالأدلة الدالة على مشروعيتها، وأن النبي ﷺ كان من هديه أنه يخرج لصلاة العيدين، ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، فكانت فرضاً كالجهاد.
واستدلوا أيضًا بحديث أم عطية قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نُخرج في الفطر والأضحى العواتق والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين». قالوا وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.

٨/ حمل الحنابلة ما تقدم من أدلة على أنه فرض كفاية، قالوا: لأن المقصود من صلاة العيدين هو إظهار شعار الإسلام بالمبالغة في الاجتماع، ولذلك أمر النبي ﷺ بإخراج الحيض بشهود جماعة المسلمين، مع اعتزالهن المصلى، والصلاة لا تصح منهن، وإذا كان هذا هو المقصود فإذا قام به بعض من يكفي سقط الإثم عن الباقين.

٩/ من قال: بأن صلاة العيد سنة وليست واجبة استدلوا بالأدلة السابقة ومنها حديث أم عطية في أمر النبي ﷺ بإخراج العواتق والحيض، وذوات الخدور، لكنهم حملوا ذلك على السنية، قالوا: والصارف للوجوب أدلة أخرى، ومنها حديث الأعرابي الذي أتى النبي ﷺ يسأله عن شرائع الإسلام، وجاء فيه أنه سأله عن الصلاة، وقال: خمس صلوات في اليوم والليلة قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، ولو كانت صلاة العيد واجبة لبين هذا النبي ﷺ؛ لأن المقام مقام بيان، وإجابة للسؤال.

١٠/ أصحاب القول الثالث من الحنفية: استدلوا على أنها فرض عين بظاهر حديث أم عطية، قالوا: فأمر النبي ﷺ الحيض وذوات الخدور والعواتق بالخروج، يدل على تأكد هذه الصلاة، وذلك لا يكون إلا في فروض الأعيان. واستدلوا أيضًا بالآية الكريمة: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، على تفسير من فسر الصلاة بأنها صلاة العيد فتكون مأموراً بها.

١١/ الأقرب -والله أعلم- في هذه المسألة: هو القول الأول، وهو أنها فرض كفاية، وأما استدلال الحنفية بالآية الكريمة فهو محل نظر، فإنها قد فسرت بغير ذلك: قال ابن جرير الطبري: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان شكراً له على ما أعطاك، فهو أمر بإخلاص الصلاة والنحر، وليس فيها ذكر لصلاة العيد.

١٢/ أيضل الاستدلال بحديث أم عطية على الوجوب فيه نظر. قال الحافظ ابن حجر: «الاستدلال بهذا الحديث على وجوب صلاة العيد محل نظر؛ لأن من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلف، فظهر أن القصد منه إظهار شعار الإسلام بالمبالغة في الاجتماع، ولتعم الجميع البركة».

١٣/نوقش استدلال أصحاب القول الثاني الذين قالوا بالسنية: بأن النبي ﷺ عظم شأن صلاة العيدين، ويلزم من قولهم: أن الناس لو تركوا كلهم صلاة العيدين لم يأثموا بذلك، وهذا خلاف هدي النبي ﷺ، و خلاف ما تدل له الشريعة من تعظيم هذه الصلاة، ومن تأكيد إظهار شعائر الإسلام فى ذلك اليوم، ولهذا فالأقرب والله أعلم هو أن صلاة العيدين من فروض الكفاية إذا قام بها بعض

من يكفي سقط الإثم عن الباقين.

١٤/ حكم خطبة العيد:
اختلف العلماء فيها: فمنهم من قال أنها مستحبة ومنهم من قال بوجوبها، ولكن جمهور أهل العلم على أنها مستحبة، ولا يجب الاستماع إليها، وذلك لحديث عبدالله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فلما قضى الصلاة قال: «إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب». فمن أهل العلم من قال أنه مرسل، لكن ورد ما يعضد هذا المعنى في روايات أخرى.
ومن أهل العلم من قال: بأن الاستماع إليها فرض كفاية، وهذا هو الأقرب؛ لأنه يترتب على القول بالاستحباب أن الناس كلهم لو انصرفوا لم يكن في هذا بأس، وهذا لاشك أنه خلاف هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه، حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام يخطب، وكان الصحابة يستمعون لخطبته، فلا بد أن يبقى من الناس من يستمع للخطبة حتى يُؤدى فرض الكفاية.

١٥/ هل المشروع في العيد خطبتان أم خطبة واحدة؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المشروع خطبتان، وإليه ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وعليه عمل المسلمين خلفاً عن سلف، وقد نقل إجماع العلماء عليه، وذهب بعض العلماء إلى أن خطبة العيد واحدة، قالوا: هذا هو الظاهر من هدي النبي ﷺ أنه كان يخطب العيد خطبة واحدة كالاستسقاء، والراجح قول الجمهور، ولا يعرف عن المتقدمين خلاف في هذه المسألة، فيكون قول من قال من العلماء المعاصرين بأن خطبة العيد واحدة مسبوقاً بالإجماع، واستفاضة عمل المسلمين على أن للعيد خطبتين في قوة الإسناد، بل قد يكون أقوى، كما قال الإمام ابن تيمية رحمة الله: «بعض ما يشتهر ويستفيض أقوى مما يروى بالإسناد الواحد».

١٦/ السنة أن تؤدى صلاة العيد في الصحراء قريباً من البنيان، هذا هو هدي النبي ﷺ، وهدي الخلفاء الراشدين من بعده. قال ابن القيم رحمه الله: «كان النبي ﷺ يصلي العيدين في المصلى.... ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة واحدة أصابهم مطر، فصلى بهم العيد في المسجد إن ثبت الحديث».
والحديث الذي أشار إليه هو عن أبي هريرة قال: «أصاب الناس مطر في يوم عيد على عهد رسول الله ﷺ فصلى بهم في المسجد»، ولم يثبت، بل هو ضعيف.

١٧/ إذا لم يتيسر صلاة العيد في المصلى كما في المدن الكبيرة فلا بأس أن تصلى في المسجد وعلى ذلك عامة الفقهاء.

١٨/ مصلى العيد في عهد النبي ﷺ هو محل معروف بالمدينة، بينه وبين مسجد النبي ﷺ ألف ذراع، والذراع يعادل ثمانية وأربعين سنتيمترا تقريباً، وعلى هذا فيعادل نصف كيلو تقريباً.

١٩/ يكره النفل قبل صلاة العيد وبعدها قبل مفارقة المصلى، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك، والدليل لذلك ما جاء عن عبدالله بن عباس «أن النبي ﷺ: صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها» وهو في الصحيحين.

٢٠/ وقت صلاة العيدين: كوقت صلاة الضحى: يبتدئ بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح في حدود ربع ساعة تقريباً، ويستمر إلى قبيل الزوال في حدود عشر دقائق تقريباً.

٢١/ السنة لمن ذهب لصلاة العيد أن يخالف الطريق، فيذهب في طريق ويرجع في طريق آخر لما جاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبدالله قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق». والحكمة في ذلك:
قيل: ليسلم على أهل الطريقين، وينال بركته الفريقان. وقيل: ليقضي حاجة من له حاجة في كلا الطريقين. وقيل: ليظهر شعار الإسلام في سائر الفجاج والطرق. وقيل: ليغيظ المنافقين لرؤيتهم عزة الإسلام وأهله، والقيام بشعائره. وقيل: لتكثر شهادة البقاع، فإن الذاهب إلى المسجد والمصلى، إحدى خطوتيه يرفع له بها درجة، والأخرى يحط عنها بها خطيئة.
قال ابن القيم: «وقيل: وهو الأصح: إنه لذلك كله، ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله عنها».

٢٢/ بعض الفقهاء يقول: أنه يسن أن يذهب للجمعة من طريق ويعود من طريق آخر قياساً على العيدين، ولكن هذا محل نظر، فقياس العبادات لا يتجه، لأن العبادات مبناها على التوقيف، ولم يرد عن النبي ﷺ مثل هذا، إنما ورد عنه في صلاة العيدين، ولهذا فالأقرب -والله أعلم- أن هذا خاص بصلاة العيد، ولا يشمل ذلك غيرها من الصلوات لا الجمعة ولا الجماعة ولا الاستسقاء.

٢٣/ تواتر عن النبي ﷺ أنه صلى العيد ركعتين، وفعله الأئمة من بعده إلى عصرنا.

٢٤/ يكبر في الركعة الأولى: بعد تكبيرة الإحرام ست تكبيرات، فتكون مع تكبيرة الإحرام سبع تكبيرات.
ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام فتكون مع تكبيرة القيام ست تكبيرات، لحديث عبدالله بن عمر: «أن النبي ﷺ كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة: سبعا في الأولى، وخمسا في الآخرة».

٢٥/ من سنن العيد وآدابه التي يُستحب للمسلم أن يعتني بها:
-التطيب للرجال.
-التزين ولبس أحسن الثياب، كما هو هديه ﷺ.
-أكل تمرات قبل الخروج في عيد الفطر، أما في عيد الأضحى فالسنة أن يؤخر الأكل حتى يرجع من الصلاة ويأكل من أضحيته.

٢٦/ اختلف الفقهاء في حكم الاغتسال قبل الخروج إلى صلاة العيد: فمنهم من قال أنه مستحب؛ لحديث ورد عند ابن ماجة لكنه ضعيف والأقرب أنه مباح.

٢٧/ جاء في حديث وائل بن حجر، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه مع التكبير». قال أحمد: «أما أنا فأرى أن هذا الحديث يدخل فيه هذا كله»، يقصد بذلك صلاة العيد وصلاة الجنازة، كلها تدخل في عموم هذا الحديث، فيستحب فيها رفع اليدين.

٢٨/ هل يقال شيء بين تكبيرات صلاة العيد؟
استحب بعض الفقهاء أن يقال بين كل تكبيرتين: "الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرًا"، وهذا قد رُوي عن ابن مسعود أنه سئل عن التكبير في العيد، فقال: «تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك، وتصلي على النبي ﷺ ، ثم تدعو وتكبر، لكن قال ابن القيم رحمه الله: لم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم ذكر معين بين التكبيرات.
والأقرب -والله أعلم- : أنه لا يشرع أن يقال شيء بين التكبيرات؛ لعدم ورود ذلك عن النبي ﷺ، إذ لو كان مشروعاً لفعله النبي ﷺ ولنقل، وأما ما روي عن ابن مسعود فهذا أولاً قد قيل بأنه ضعيف لا يصح عنه.
وثانياً على تقدير ثبوته فهو اجتهاد منه رضي الله عنه.

٢٩/ جاء في حديث النعمان بن بشير، قال: «كان رسول الله. يقرأ في العيدين، وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾، قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يوم واحد، يقرأ بهما في الصلاتين»
وجاء عن عبيد الله بن عبدالله، أن عمر بن الخطاب، سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: «كان يقرأ فيهما بـ ﴿قَ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾».
وينبغي للإمام أن يحرص على هذه السنة في صلاة العيد وفي صلاة الجمعة وأن ينوع ويأتي بهذا تارة وبهذا تارة.

٣٠/ بعض الفقهاء قال في خطبة العيد: يسن أن يستفتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع، لما جاء عن سعد القرظ قال: «كان النبي ﷺ: يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير فى خطبة العيدين». ولكن هذا الحديث ضعيف لا يصح، ولو صح الحديث فليس بصريح، لأنه قال: يكثر من التكبير، ولم يقل: يفتتح الخطبتين بالتكبير . ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يستفتح خطبة العيد بالتكبير، وإنما كان يفتتح جميع خطبه بالحمد، ولهذا فالصحيح أنه لا يشرع افتتاح الخطبتين بالتكبير، لأنه لم يرد في ذلك دليل صحيح وإنما يفتتحهما بالحمد كخطبة الجمعة. ذكر ذلك ابن تيمية رحمه الله.

٣١/ هل تقضى صلاة العيد إذا فاتت؟
من الفقهاء من قال أن من فاتته صلاة العيد يقضيها ولو بعد الزوال، وهذا هو المذهب عند الحنابلة؛ لعموم قول النبيﷺ : «من نام عن صلاة أو نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها». قالوا: يدخل في ذلك صلاة العيد.
والقول الثاني في المسألة: أنها لا تقضى إذا فاتت، وهذا قول عند الحنابلة، واختاره الإمام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى؛ لعدم وروده، ولأنها صلاة ذات اجتماع معين، فلا تشرع إلا على هذا الوجه، وقياساً على الجمعة، فإن الجمعة إذا فاتت لا تقضى، وإنما يصلى فرض الوقت وهو الظهر، وأما العيد فليس لهذا الوقت فرض فلا تقضى، وهذا هو القول الراجح
وأما استدلال أصحاب القول الأول بقول النبي ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، فالمراد بذلك صلاة الفريضة، وأما صلاة العيد فهي مشروعة على صفة معينة على وجه الاجتماع فلا تقضى.