المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه الاثنين ١٣-٢-١٤٤٨هـ


الحمدان
08-01-2026, 07:56 PM
فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه
لفضيلة الشيخ أ.د سعد بن تركي الخثلان
وفقه الله الاثنين ١٣-٢-١٤٤٨هـ
[أحكام الجنائز (٦)]

١/ حكم الدفن في المساجد:
يحرم دفن الموتى في المساجد؛ لقول النبي ﷺ: «لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ يُحذِّر مما صنعوا، وقال ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ: «ألا وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». رواه مسلم.

٢/ إذا اجتمع القبر والمسجد:
إذا وُضع القبر في المسجد؛ فإن كان القبر سابقًا للمسجد، وجب هدم المسجد، ولا تصح الصلاة فيه. وإن كان المسجد هو السابق، وجب نبش القبر ونقله إلى المقابر؛ لأن دفن الموتى في المساجد لا يجوز.

٣/ لم يُدفن النبي ﷺ في المسجد:
المسجد النبوي بُني في حياة النبي ﷺ، ولما توفي دُفن في حجرة عائشة رضي الله عنها، وهي بيته الذي مات فيه، ولم يُدفن في المسجد أصلًا. قالت عائشة رضي الله عنها: «لولا ذلك لأُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجدًا».

٤/ متى أُدخلت الحجرة في المسجد؟
في عهد الوليد بن عبد الملك، عند توسعة المسجد النبوي، أُدخلت حجرة عائشة في المسجد، ولم يكن ذلك بإجماع الصحابة؛ إذ كان أكثرهم قد مات، وخالف في ذلك بعض التابعين، كسعيد بن المسيب، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، وكان عمر بن عبد العزيز أميرًا على المدينة حينئذ.

٥/ كيف حُفظ قبر النبي ﷺ بعد إدخال الحجرة؟
لما أُعيد بناء الحجرة، جُعل حولها جدار ذو خمسة أضلاع، وجُعل مؤخره منحرفًا عن القبلة، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر مباشرة، وأُحيطت الحجرة بثلاثة جدران، ثم وُضع فوقها في العصور المتأخرة حاجز فولاذي، فبقي القبر داخل حجرة مستقلة، لا داخل المسجد على الهيئة التي تُبنى عليها القبور، وكل ذلك حمايةً للتوحيد وسدًّا لذريعة الغلو.

٦/ قال ابن القيم رحمه الله في النونية:
ودعا بأن لا يجعلَ القبرَ الذي
قد ضمَّهُ وَثَنًا من الأوثانِ
فأجابَ ربُّ العالمين دعاءَهُ
وأحاطَهُ بثلاثةِ الجدرانِ
حتى اغتدت أرجاؤُهُ بدعائِهِ
في عِزَّةٍ وحمايةٍ وصيانِ

٧/ لا حجة في قبر النبي ﷺ على جواز الدفن في المساجد:
لا يصح الاحتجاج بدفن النبي ﷺ على جواز دفن الموتى في المساجد؛ لأنه ﷺ لم يُدفن في المسجد، وإنما دُفن في حجرة عائشة رضي الله عنها، ثم أُدخلت الحجرة في المسجد بعد ذلك باجتهاد من الوليد بن عبد الملك، مع إحاطتها بالجدران والحواجز حمايةً للتوحيد، فبقيت مستقلة عن المسجد، وبقيت النصوص المحكمة الناهية عن اتخاذ القبور مساجد هي الأصل الذي يُعمل به.

٨/ حكم نعي الميت.
النبي ﷺ كان ينهى عنه، كما في حديث حذيفة رضي الله عنه، أخرجه الإمام أحمد والترمذي، وورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه.

٩/ النعي له صورتان:
الأولى: النعي الممنوع.
وهو نعي الجاهلية، كرفع الصوت، أو إرسال من يطوف في الناس ويصيح: مات فلان، مات فلان، ويذكر مفاخره ومآثره على وجه التعظيم والمباهاة.
وهذا كان يفعله أهل الجاهلية، وربما صاحبه النياحة والتسخط، فهذا لا يجوز، وهو المراد بالنعي المنهي عنه.
الثانية: النعي الجائز.
وهو مجرد الإخبار بوفاة الميت؛ لأجل أن يحضر الناس الصلاة عليه، أو دفنه، أو تعزية أهله، أو الدعاء له، من غير أن يصحب ذلك نياحة ولا مفاخرة؛ فهذا جائز باتفاق أهل العلم، ويحمل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في نعي النجاشي، وكذلك نعى النبي ﷺ زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم، لما استشهدوا في غزوة مؤتة، وأخبر الصحابة بخبرهم قبل أن يأتيهم الخبر.

١٠/ ما يحصل الآن من نشر رسائل: «انتقل إلى رحمة الله فلان بن فلان»، هل هذا جائز؟
الجواب: نعم، هذا من الصورة الجائزة؛ لأن المقصود منه إعلام الناس بوفاة فلان؛ حتى يشاركوا في الصلاة عليه، وتشييع جنازته، ودفنه، وتعزية أهله، أو على الأقل الدعاء له.

١١/ لا بأس بالبكاء على الميت إذا كان من غير رفع صوت؛ فقد بكى النبي ﷺ عند مرض سعد بن عبادة، وقال: «إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم».

١٢/ يحرم الندب، وهو: البكاء مع تعداد محاسن الميت على وجه التحسر والجزع؛ لأنه ينافي الصبر، وقد قال النبي ﷺ: «ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول: واجبلاه، واسيداه، ونحو ذلك؛ إلا وُكِّل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت؟».

١٣/ تحرم النياحة، وهي: رفع الصوت بالبكاء على الميت، وهي من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ: «أخذ علينا رسول الله ﷺ يوم البيعة ألا ننوح»، وقوله ﷺ: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت»؛ أي: كفر أصغر. وذُكرت النائحة لأن الغالب وقوع النياحة من النساء، وإلا فالرجال مثل النساء في الحكم.

١٤/ من لم تتب من النياحة قبل موتها جاء فيها الوعيد الشديد؛ قال ﷺ: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تُقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب». رواه مسلم.

١٥/ الفرق بين البكاء الجائز والمحرم: البكاء المجرد من غير رفع صوت جائز، أما إذا صاحبه رفع الصوت فإنه محرم، ومن كبائر الذنوب.

١٦/ يحرم شق الثوب، ولطم الخد، والصراخ، ونتف الشعر، ونشره، وحلقه عند المصيبة؛ لقول النبي ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»، وهذا يدل على أن هذه الأفعال من كبائر الذنوب.

١٧/ أحوال الناس عند المصيبة أربع:
الأولى: الجزع؛ ويكون بالقول أو بالفعل، كأن يلطم وجهه، أو يشق ثوبه، أو ينتف شعره، أو يعترض على قضاء الله وقدره، وهذا محرم، بل من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ، وَلَطَمَ الْخُدُودَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». متفق عليه.
الثانية: الصبر؛ وهو حبس النفس عن الأقوال والأفعال المحرمة عند المصيبة، وإن لم يكن راضيًا بها، وحكمه: الوجوب.
الثالثة: الرضا؛ وهو أن يطمئن القلب لقضاء الله وقدره، ويُسلِّم له، ويرجو ما عند الله من الثواب. وقد اختلف العلماء في حكمه بين الوجوب والاستحباب، والأقرب أنه مستحب، وهو اختيار أبي العباس بن تيمية وابن القيم رحمهما الله.
الرابعة: الشكر؛ وهو أن يحمد الله تعالى ويشكره مع الصبر والرضا؛ لما يرجوه من عظيم الأجر والثواب، وهذه أعلى المراتب، وهي مستحبة.
فالناس عند المصيبة بين متسخطٍ، وصابرٍ، وراضٍ، وشاكرٍ؛ فأدناها الصبر وهو واجب، وأعلاها الشكر وهو أكمل المراتب.

١٨/ تعزية أهل الميت سنة مؤكدة؛ لما فيها من جبر المصاب، ومواساة أهل الميت، وتقوية قلوبهم، وهي من حقوق المسلم على أخيه المسلم، وإن لم يثبت في فضلها حديث صحيح.

١٩/ ورد في فضل التعزية حديث: «ما من مؤمنٍ يعزي أخاه بمصيبةٍ إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة»، وحديث: «من عزى مصابًا فله مثل أجره»، وكلاهما ضعيف، إلا أنه في فضائل الأعمال، والتعزية ثابتة بأصول الشريعة الداعية إلى مواساة المسلم وجبر خاطره.

٢٠/ ذهب الحنابلة إلى أن التعزية تُسن إلى ثلاثة أيام؛ لأنها مدة الإحداد على غير الزوج؛ لقول النبي ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا». متفق عليه.

٢١/ والراجح أن التعزية لا تتحدد بثلاثة أيام؛ لأن التحديد يحتاج إلى دليل، وقياسها على الإحداد قياس مع الفارق، وإنما تُشرع ما دام أثر المصيبة باقيًا على المصاب، ولا تُشرع بعد مضي مدة طويلة عُرفًا.

٢٢/ يجوز تعزية أهل الميت قبل الدفن وبعده؛ لأن التعزية مرتبطة بالمصيبة، لا بالدفن، فما دام أثر المصيبة قائمًا فالتعزية مشروعة.

٢٣/ أفضل ما يُعزَّى به ما قاله النبي ﷺ لابنته عند وفاة ابنها: «إنَّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عنده بأجلٍ مسمًّى، فلتصبر ولتحتسب». متفق عليه.

٢٤/ لا بأس أن يُقال في التعزية: «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك»، أو: «جبر الله مصابك»، أو غير ذلك من العبارات المناسبة.

٢٥/ لا يتقيد جواب المُعزَّى بلفظ معين، بل يقول ما تيسر من الدعاء، مثل: «تقبَّل الله دعاءك، ورحمنا وإياك»، ونحو ذلك.

٢٦/ هل يُعدُّ ترك تعزية القريب من قطيعة الرحم؟
إذا كان قريبه ممن تجب صلته، فلم يعزِّه، فإن هذا يدخل في قطيعة الرحم؛ لأن تعزية الإنسان حقٌّ من حقوقه.
فإذا كان مثلًا قريبًا تجب صلته، كأخيه، أو أخته، أو عمه، أو عمته، ولم يقم بتعزيته، فهذه صورة من صور قطيعة الرحم؛ لأن ضابط قطيعة الرحم هو العرف، والناس في عرفهم يعدون من لم يعزِّ قريبًا تجب صلته قاطعًا لرحمه، فيدخل هذا في قطيعة الرحم.
وكذلك إذا كان المتروك تعزيته أحد الوالدين، كأن يموت لأبيه أو لأمه قريب، فلا يعزِّي أباه أو لا يعزِّي أمه، فإن هذا يدخل في عقوق الوالدين؛ لأن الناس في عرفهم يعدون ترك التعزية بالنسبة للوالدين نوعًا من العقوق.
فالضابط في عقوق الوالدين، وفي قطيعة الرحم: العرف. فما عدَّه الناس عقوقًا فهو عقوق، وما عدُّوه قطيعة رحم فهو قطيعة رحم.