المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صِلْ رحمك وإن قطعوك


الحمدان
08-12-2026, 06:03 AM
صِلْ رحمك وإن قطعوك...

صلة الرحم ليست أن تصل من وصلك فقط، ولا أن تكرم من أكرمك، وإنما الصلة الحقيقية أن تصل رحمك وإن قطعوك، وتحسن إليهم وإن أساؤوا إليك، وتعفو عن زلاتهم ابتغاء ما عند الله.

قال الله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
[النساء: 1].

وقال سبحانه في التحذير من القطيعة:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾
[محمد: 22-23].

تأملوا عِظم الأمر؛ فالقرآن لم يجعل قطيعة الرحم مجرد خلاف عائلي عابر، بل قرنها بالإفساد في الأرض، وجعل عليها وعيدًا شديدًا.

وقال النبي ﷺ:
«ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها»
متفق عليه.

فيا من هجرك أخوك ، أو جفتك أختك أو أساء إليك قريبك ، لا تجعل إساءتهم سببًا لقطيعتك، ولا تجعل غضبك يهدم رحمًا بناها الله.

قد تقول: أنا الذي بدأت بالسلام، وأنا الذي اتصلت، وأنا الذي اعتذرت، فلماذا أعود؟

لأنك لا تتعامل معهم وحدهم، بل تتعامل مع الله.

أنت تصلهم لأن الله أمرك بالصلة، وتعفو لأن الله يحب العافين، وتحسن لأن الإحسان لا يضيع عند الله.

قال سبحانه:-

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[فصلت: 34].

وقال ﷺ:
«مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه»
متفق عليه.

والهجر الطويل يترك في القلوب ندوبًا قد لا يشعر بها صاحبها إلا بعد فوات الأوان.

كم من أخوين فرّقت بينهما كلمة، ثم مضت السنوات، وكل واحد ينتظر أن يبدأ الآخر.

وكم من أخت نامت وفي قلبها عتب على أختها، ثم جاء خبر الموت فجأة، فبقي الندم حيث لا ينفع الندم.

وكم من أم أو أب يتمنيان اتصالًا من ولد، وكم من قريب ينتظر رسالة أو زيارة أو سؤالًا بسيطًا: كيف حالك؟

يا أهل الأرحام، لا تجعلوا الدنيا أكبر من الرحم.

المال يذهب، والمنصب يزول ، والمواقف تتغير، والناس يخطئون، لكن الموت إذا جاء أغلق باب الاعتذار.

فبادروا بالصلة قبل أن يأتي يوم تتمنون فيه دقيقة واحدة تعيدون بها كلمة طيبة، أو سلامًا، أو زيارة، أو حضنًا، أو قبلة على رأس أم أو أب.

واعلموا أن صلة الرحم ليست ضعفًا ولا مذلة، بل هي قوة وإيمان واحتساب.

قال ﷺ:
«من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه»
متفق عليه.

فمن أراد البركة في رزقه وعمره، فليحافظ على رحمه.

ولا تقل: هو الذي أخطأ.

قد يكون هو المخطئ، لكن اسأل نفسك: من منا لا يخطئ؟

ولا تقل: لن أتنازل.

تنازل عن حظ نفسك لله، ولا تتنازل عن كرامتك؛ فبإمكانك أن تصل رحمك دون أن تقبل الظلم، وأن تعفو دون أن تسمح لأحد أن يعتدي عليك.

يكفي أن تبدأ بالسلام، أو برسالة، أو بسؤال، أو بهدية، أو بدعاء في ظهر الغيب.

قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

فيا من بينك وبين قريبك جفاء، كن أنت المبادر.

ويا من لك أخ لم تكلمه منذ سنوات، ارفع الهاتف.

ويا من لك أخت في قلبها عليك شيء، ابعث لها كلمة طيبة.

ويا من هجرك قريبك، لا تجعل الشيطان يقنعك أن القطيعة انتصار.

فوالله ما خسر من وصل رحمه لله، وما ندم من عفا لله، وما ضاع عند الله معروف.

اللهم أصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا
واهدنا سبل السلام، وأعنا على صلة أرحامنا
واغفر لنا تقصيرنا، واجعلنا ممن يصلون من قطعهم
ويحسنون إلى من أساء إليهم،
ويطلبون رضاك قبل رضا الناس.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


جمعه أخوكم ومحبكم
مطلق بن عبيد الرفدي
الثلاثاء ٢٨ صفر ١٤٤٨ هـ