المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه الاثنين ٤-٣-١٤٤٨هـ


الحمدان
08-22-2026, 09:18 PM
فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه
لفضيلة الشيخ أ.د. سعد بن تركي الخثلان -وفقه الله-
الاثنين ٤-٣-١٤٤٨هـ
[الزكاة (٢)]

١/ حكم من جحد وجوب الزكاة:
الزكاة فريضة من فرائض الدين، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، فهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وبعد الصلاة، وهي من الأمور المعلومة من دين الإسلام بالضرورة.
فمن جحد وجوبها فهو مكذب لله، ومكذب لرسوله ﷺ، ويكفر بإجماع المسلمين، بشرط أن يكون عالمًا؛ احترازًا ممن كان حديث عهد بالإسلام.
فالزكاة معلومة من الدين بالضرورة، والنصوص فيها كثيرة من الكتاب والسنة، فمن جحد وجوبها عالمًا فإنه يكفر بالإجماع.

٢/ حكم من منع الزكاة بخلًا أو تهاونًا مع إقراره بوجوبها:
من منع الزكاة بخلًا أو تهاونًا مع إقراره بوجوبها، فقد اختلف الفقهاء في كفره.
فمنهم من ذهب إلى أنه يكفر، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد.
ولكن جماهير أهل العلم قديمًا وحديثًا يرون أنه قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، لكنه لا يكفر.

٣/ دليل من قال بكفر مانع الزكاة بخلًا أو تهاونًا:
استدل القائلون بكفره بقول الله عز وجل:
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
قالوا: مفهوم الآية أنهم إذا لم يؤتوا الزكاة فليسوا بإخوان لنا، وإذا لم يكونوا إخوانًا لنا فهم كفار.

٤/ دليل الجمهور على أن مانع الزكاة بخلًا أو تهاونًا لا يكفر:
استدل جمهور الفقهاء بما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار».
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن مانع الزكاة بخلًا أو تهاونًا لو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة؛ لأن الجنة محرمة على الكافرين، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.
فدلالة الحديث ظاهرة في عدم كفره؛ لأنه قال: «فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار»، ولو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة.

٥/ شدة عقوبة مانع الزكاة بخلًا أو تهاونًا:
مانع الزكاة يعذب بماله الذي بخل به في الموقف يوم القيامة؛ فتُصفَّح له صفائح من نار، ويُحمى عليها في نار جهنم، ويُكوى بها جبينه وجنبه وظهره، كلما بردت أُعيدت له.
وهذا وعيد شديد في حق من منع الزكاة بخلًا أو تهاونًا.

٦/ الراجح أن مانع الزكاة بخلًا أو تهاونًا لا يكفر وهو قول جماهير أهل العلم وإنما يكون مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب.
وأما استدلال القائلين بكفره بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، فدلالة الآية مجملة، وقد دلت السنة على أن تارك الزكاة بخلًا أو تهاونًا لا يكفر، والسنة مفسرة للقرآن.

٧/ من منهج الراسخين في العلم: الجمع بين النصوص:
لا بد عند النظر في أي مسألة من النظر إلى النصوص مجتمعة، لا أن يؤخذ بنص وتترك النصوص الأخرى؛ فإن من ينظر في الأدلة بهذه الطريقة يقع في الانحراف.
ولهذا فإن الفرق التي انحرفت في باب العقائد كان من أسباب انحرافها أنها أخذت بجزء من النصوص وتركت النصوص الأخرى.
وطريقة الراسخين في العلم، وطريقة أهل السنة والجماعة: الجمع بين النصوص، والنظر إليها مجتمعة، فلا يُنظر إلى الآية وحدها وتُترك السنة؛ فالسنة مبيِّنة ومفسِّرة للقرآن الكريم، وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على أن مانع الزكاة بخلًا أو تهاونًا لا يكفر، وإن كان فاسقًا ومرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب.

٨/ لماذا قاتل الصحابة مانعي الزكاة مع أن مانعها بخلًا لا يكفر؟
لما توفي النبي ﷺ، قالت بعض طوائف وقبائل العرب: كنا ندفع الزكاة للنبي ﷺ وقد مات، فلا ندفعها، فامتنعوا عن دفع الزكاة.
فجهز أبو بكر رضي الله عنه جيشًا لقتالهم، فراجعه عمر وبعض الصحابة رضي الله عنهم، وقالوا: كيف تقاتل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟
فقال أبو بكر رضي الله عنه مقولته المشهورة: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها».
قال عمر رضي الله عنه: «فعرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق».

فالصحابة قاتلوا مانعي الزكاة؛ لأن منع الزكاة من أولئك القبائل والطوائف من العرب لم يكن مجرد بخل فردي، بل كان امتناعًا جماعيًا عن ركن من أركان الإسلام، وتعطيلًا لشعيرة من شعائر الإسلام، وتفريقًا بين الصلاة والزكاة، وخروجًا على ولي الأمر وإمام المسلمين، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة النبي ﷺ.

٩/ فهم أبو بكر رضي الله عنه من قول النبي ﷺ: «إلا بحقها» أن من حقها حق المال، وهو الزكاة.
فلا يكفي أن يقولوا: نصلي ولا نؤدي الزكاة؛ لأن الله قرن بين الصلاة والزكاة في مواضع كثيرة، ولهذا قال أبو بكر رضي الله عنه: «لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة».
وقال ابن زيد عن قول أبي بكر رضي الله عنه: «لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة»: «افترضت الصلاة والزكاة جميعًا، لم يفرق الله بينهما، رحم الله أبا بكر ما أفقهه».

١٠/ أصناف مانعي الزكاة في عهد الصحابة رضي الله عنهم:
المانعون للزكاة في عهد الصحابة كانوا أصنافًا:
فمنهم من ارتد واتبع مسيلمة الكذاب مدعي النبوة، ومنهم من جحد وجوب الزكاة، ومنهم من أقر بها لكنه امتنع عن دفعها إلى الإمام.
فهؤلاء إذا كانوا جماعة ولهم شوكة ومنعة، قوتلوا حتى يؤدوا الحق الواجب؛ لا لأن كل بخيل بالزكاة يقاتل، بل لأن الجماعة الممتنعة عطلت ركنًا ظاهرًا من الدين، وشعيرة من شعائر الدين، ونازعت الإمام في حق واجب.

١١/ لا فرق في منع الواجب بين القليل والكثير:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقًا على قول أبي بكر رضي الله عنه: «لو منعوني عقالًا»: إنهم متى منعوا شيئًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ، ولو كان قليلًا، فقد منعوا شيئًا واجبًا، ولا فرق في منع الواجب بين القليل والكثير.
فالصحابة قاتلوهم؛ لأن الزكاة ركن من أركان الإسلام وشعيرة من شعائر الدين، ومنع الزكاة في هذه الصورة الجماعية كان تفريقًا بين أركان الإسلام وتمردًا على الحق العام.
فثبت لأبي بكر ومن وافقه من الصحابة أن قتالهم حق، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «فعرفت أنه الحق».

١٢/ حكم الطائفة الممتنعة عن واجب من واجبات الإسلام الظاهرة:
قال أبو العباس بن تيمية رحمه الله: اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها، ولو تكلموا بالشهادتين.
واستدل بقصة أبي بكر والصحابة رضي الله عنهم في قتال مانعي الزكاة.

١٣/ الزكاة إنما تجب إذا تحققت عدة شروط، وإذا تخلف شرط من هذه الشروط لم تجب.
والشرط الأول: الإسلام؛ فلا تجب الزكاة على الكافر، وهذا بالإجماع؛ لقول الله عز وجل:
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بالله وَبِرَسُولِهِ﴾.
فالكافر لا تقبل منه نفقته، من زكاة أو غيرها.

١٤/ حديث معاذ رضي الله عنه يدل على اشتراط الإسلام لوجوب الزكاة:
جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم». فجعل النبي ﷺ الإسلام شرطًا لوجوب الزكاة.

١٥/ ليس معنى أن الزكاة لا تجب على غير المسلم أنه لا يحاسب على تركها، بل هو محاسب على تركها، ومحاسب على ترك الصلاة والصيام وسائر أمور الشريعة.
ولهذا قال الله عز وجل عن المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، وقال في آخر الآيات: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
والتكذيب بيوم الدين كفر، فهذا يدل على أنهم كفار، ومع ذلك حوسبوا على ترك الصلاة: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، وإذا حوسبوا على ترك الصلاة فيحاسبون على ترك الزكاة وسائر العبادات.

١٦/ غير المسلم يحاسب على ترك الواجبات والفرائض، لكنها لا تصح منه حال كفره:
جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر».
وهذا الحديث صريح في هذه المسألة، وهي أن غير المسلم يحاسب على ترك الواجبات والفرائض، وإذا كان المسلم يحاسب عليها فغير المسلم من باب أولى.
ولكنها لا تجب عليه بمعنى أنه لا يطالب بها ما دام كافرًا؛ فإذا أراد أن يزكي نقول: صحح الأصل أولًا، وذلك بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
وهكذا لو أراد الكافر أن يصلي نقول: صلاتك لا تصح، وإن كان محاسبًا على ترك الصلاة؛ فلا بد من تصحيح الأصل أولًا، ثم بعد ذلك تقبل منه بقية الفرائض والعبادات.

١٧/ حكم إلزام الشركات غير المسلمة التي تستثمر في البلاد الإسلامية بالزكاة:
يتفرع عن شرط الإسلام مسألة من المسائل المعاصرة، وهي الشركات غير المسلمة التي تستثمر في البلاد الإسلامية.
فإذا كانت شركة غير إسلامية تعمل في بلاد المسلمين، والقائمون عليها غير مسلمين، فلا تلزم بدفع الزكاة؛ لأن الزكاة لا تجب على الكافر ولا تقبل منه.
لكن يرى بعض أهل العلم أن لولي الأمر أن يلزم الشركات غير المسلمة بدفع ضريبة للدولة من باب المعاملة بالمثل؛ لأن الشركات المسلمة لو ذهبت إلى البلاد غير الإسلامية لتستثمر فيها لأُخذت منها ضرائب كثيرة.
فمن باب المعاملة بالمثل، على الأقل يؤخذ من الشركات غير المسلمة مال يدفع لخزينة الدولة.
وهذا قول جيد، ويدخل في باب السياسة الشرعية التي يراها ولي الأمر، وباب السياسة الشرعية باب واسع.

١٨/ الشرط الثاني من شروط وجوب الزكاة: الحرية:
فلا تجب الزكاة على الرقيق.
والرق يعرفه الفقهاء بأنه: عجز حكمي يقوم بالإنسان بسبب الكفر.
وقد انقرض الرق في الوقت الحاضر، وأصبح ممنوعًا رسميًا ومجرمًا في جميع دول العالم؛ ولذلك عندما تذكر أحكامه فإنما تذكر الآن من الناحية النظرية، وإلا فهو عمليًا غير موجود في الوقت الحاضر.

١٩/ الشرط الثالث من شروط وجوب الزكاة: ملك النصاب:
والنصاب هو: القدر الذي رتَّب الشارع وجوب الزكاة على بلوغه.
فإذا كان هناك شخص فقير ليس عنده شيء، أو عنده مال قليل دون النصاب، فلا زكاة عليه.
والنصاب يختلف باختلاف الأموال؛ فنصاب الذهب والفضة يختلف عن نصاب سائمة بهيمة الأنعام، ويختلف عن نصاب الثمار؛ فنصاب كل مال بحسبه.

٢٠/ هل النصاب على سبيل التحديد أو التقريب؟
اختلف الفقهاء في ذلك، فمنهم من قال: إن النصاب على سبيل التحديد إلا في الأثمان، فهو على سبيل التقريب.
فمثلًا: نصاب الذهب خمسة وثمانون جرامًا، فلو كان عند الرجل أربعة وثمانون جرامًا من الذهب؛ فإذا قلنا: إن نصاب الذهب على سبيل التحديد، فليس عليه زكاة، وإذا قلنا: إنه على سبيل التقريب، فعليه الزكاة.
والأقرب -والله أعلم- أن النصاب في الأثمان على سبيل التحديد، وقد اختار هذا القول الموفق بن قدامة في المغني، وقال: إنه ظاهر الأخبار، فينبغي ألا يعدل عنه، وهذا هو ظاهر النصوص والأحاديث.
وعلى ذلك، فمن كان عنده أربعة وثمانون جرامًا من الذهب فلا تجب عليه الزكاة، وإذا كان عنده خمسة وثمانون جرامًا من الذهب فتجب عليه الزكاة.

٢١/ الشرط الرابع من شروط وجوب الزكاة: تمام الملك:
ويعبر بعضهم بـ«استقرار الملك».
فإذا كان الملك غير تام أو غير مستقر، وإنما هو عرضة للسقوط، فلا زكاة فيه.

٢٢/ لا زكاة في حصة المضارب من الربح قبل القسمة:
المضارب -وهو العامل في مال المضاربة- لا تجب الزكاة في حصته من الربح قبل القسمة.
فلو اتفق شخص مع آخر، وأعطاه مثلًا مائة ألف ريال، وقال: الربح بيني وبينك نصفان، فربح عشرة آلاف ريال؛ فتكون حصة العامل من الربح خمسة آلاف ريال، فلا تجب عليه الزكاة فيها إلا بعد أن يستلمها.
أما قبل أن يستلمها فلا زكاة عليه؛ لأن ربح المضاربة بالنسبة للعامل غير مستقر؛ لأن الربح قبل القسمة وقاية لرأس المال، فلو خسر رب المال فلا شيء للعامل.
فما دام ربح المضاربة لم يقسم بعد، فلا تجب على العامل الزكاة في حصته.

٢٣/ حصة رب المال من ربح المضاربة تجب فيها الزكاة؛ لأنها تابعة لأصل مستقر، وهو رأس المال.
ففي المثال السابق أصبح جميع المال بعد الربح مائة وعشرة آلاف ريال؛ خمسة آلاف منها للعامل، وهذه لا زكاة فيها عليه إلا بعد أن يستلمها، ومائة وخمسة آلاف لرب المال، وهذه فيها الزكاة.
فكما تجب الزكاة في رأس المال، وهو في مثالنا مائة ألف ريال، تجب كذلك في نصيب رب المال من الربح، وهو خمسة آلاف ريال.
وهذا مبني على شرط من شروط وجوب الزكاة، وهو تمام الملك أو استقرار الملك.

٢٤/ لا زكاة في أموال الجهات الخيرية:
يتفرع عن شرط تمام الملك مسائل معاصرة، منها: الأموال التي تعطى للجهات الخيرية، كمراكز الدعوة إلى الله عز وجل، وجمعيات الدعوة، وحلق تحفيظ القرآن، وصناديق المؤسسات الخيرية، وجمعيات البر ونحو ذلك.
فهذه لا تجب فيها الزكاة؛ لأنه لا مالك لها، ومن شروط وجوب الزكاة تمام الملك.
فجميع الأموال الخيرية لا زكاة فيها؛ لأنه لا مالك لها، أو أن الملك فيها غير تام، وعلى كلا التقديرين فلا تجب الزكاة فيها.

٢٥/ لا زكاة في الأوقاف والوصايا المصروفة في وجوه البر والإحسان:
الأوقاف التي يصرف ريعها في وجوه البر والإحسان لا زكاة فيها؛ لأنها أموال رُصدت لوجوه البر والإحسان، وليست ملكًا لأحد.
وعلى ذلك، فناظر الوقف الخيري نقول له: لا زكاة في هذا الوقف.
وكذلك من كان ناظرًا على وصية تصرف في وجوه البر والإحسان، فلا زكاة في هذه الوصية.
فالأوقاف والوصايا التي تصرف في وجوه البر والإحسان كلها لا زكاة فيها.

٢٦/ حكم الزكاة في الأوقاف الذرية:
إذا كانت الأوقاف ذرية، فما يصل إلى الموقوف عليه ويحول عليه الحول ففيه الزكاة.
وأما الأوقاف الخيرية التي تصرف في وجوه البر والإحسان فلا زكاة فيها.

٢٧/ حكم الزكاة في الصناديق الخيرية:
الصناديق الخيرية التي تضعها بعض العوائل والأسر، أو يضعها بعض الزملاء، أو القبيلة ونحو ذلك، قد تكون الأموال الموجودة فيها كبيرة.
فإذا كان المال الذي دُفع لهذه الصناديق على سبيل التبرع، ولا يعود إلى المشاركين في هذه الصناديق ولا إلى ورثتهم، إلا عند حصول حادث مثلًا أو نحوه مما وُضع الصندوق من أجله، فهذه لا زكاة فيها.
ولهذا لو انسحب الإنسان من الصندوق فليس له أن يطالب بما دفع؛ بمعنى أن الأموال غير المستردة في هذه الصناديق لا زكاة فيها.
فإذا كانت الصناديق تُبنى على أخذ أموال غير مستردة، فلا زكاة في أموالها.
أما إذا كان المال يعود إلى المشاركين بعد مدة، أو يعود إلى ورثتهم، ولو أراد أحد أن ينسحب من هذا الصندوق لأُعطي ما دفع، فتجب فيه الزكاة؛ لأنه لم يخرج عن ملك صاحبه، فهو في حكم القرض.
فعلى ذلك: الأموال التي توضع في الصناديق إذا كانت أموالًا غير مستردة فلا زكاة في أموال الصندوق، أما إذا كانت أموالًا مستردة أو قد تُسترد فتجب فيها الزكاة.

٢٨/ حكم الزكاة في المدخر في صندوق التقاعد ومكافأة نهاية الخدمة:
من المسائل المتفرعة عن شرط تمام الملك: المدخر في صندوق التقاعد، والراتب التقاعدي، ومكافأة نهاية الخدمة، وجميع المكافآت التي لا تصرف إلا بعد التقاعد.
فهذه كلها لا تجب الزكاة فيها على الموظف؛ لأن ملكيته لها غير تامة، فهو لا يستحق هذا المال إلا بعد التقاعد، ولا يمكنه أن يأخذ هذا المال ولا أن يتصرف فيه قبل ذلك.
ولاحتمال عدم حصول الموظف على هذه المكافآت لأي سبب من الأسباب، تكون الملكية هنا غير تامة وغير مستقرة، فيتخلف هذا الشرط، فلا تجب فيها الزكاة.
وسواء كان راتبًا تقاعديًا، أو مكافأة نهاية خدمة، أو مكافأة في مقابل الإجازات، أو لأي سبب من الأسباب؛ فجميع المكافآت والأموال التي لا تعطى للإنسان إلا بعد تقاعده لا زكاة فيها.
لكن إذا دخلت في ملكه ومضى عليها الحول، فتجب فيها الزكاة كسائر أمواله، أما من حين أن يستلمها فلا زكاة فيها.

٢٩/ حكم الزكاة في الصداق المؤخر الذي لم يُقبض:
من المسائل المتفرعة عن شرط تمام الملك: الصداق الذي لم يُقبض.
فالصداق قد يكون معجلًا، وقد يكون مؤخرًا، فإذا كان الصداق مؤخرًا ولم تقبضه المرأة، فهل تجب فيه الزكاة؟
هذه مسألة قديمة تكلم عنها الفقهاء السابقون، وجمهور الفقهاء على أنه لا تجب الزكاة في الصداق الذي لم يُقبض؛ لاحتمال سقوطه، فقد يسقط لأي سبب من الأسباب، إما بالمخالعة أو لغير ذلك من الأسباب؛ فالملك فيه غير مستقر وغير تام.
فالقول الراجح في حكم الصداق الذي لم يُقبض، أو ما يسمى بالصداق المؤخر: أنه لا تجب فيه الزكاة.
وقد اختار هذا القول أبو العباس بن تيمية وجمع من المحققين من أهل العلم؛ وذلك لأن الملك فيه غير مستقر وغير تام، فلا تجب الزكاة فيه.
وعلى ذلك، فالمرأة متى استلمت هذا الصداق المؤخر لا يجب عليها أن تزكيه إلا أن يبقى بعد استلامها عندها سنة كاملة، فهنا تزكيه.
أما من حين أن تستلمه، أو قبل ذلك، فلا زكاة فيه؛ لأن الملك فيه غير تام وغير مستقر.