المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حين يُذكر بنو أمية


الحمدان
08-27-2026, 09:32 PM
حين يُذكر بنو أمية
ينشغل كثيرٌ من الناس بالجدل السياسي
ويغفلون عن سؤالٍ أكثر أهمية:
ماذا قدّمت الدولة الأموية للحضارة الإسلامية والإنسانية؟

إنَّ الإنصاف التاريخي يقتضي التفريق بين الخلافات السياسية التي وقعت بين المسلمين، وبين الإنجازات الحضارية التي غيّرت وجه التاريخ. فالدول تُقاس بما شيّدته من مؤسسات، وما تركته من آثارٍ علميةٍ وإداريةٍ وعمرانيةٍ وحضارية.

لقد حكم بنو أمية نحو تسعين عاماً (41 - 132هـ / 661 - 750م)، وخلال هذه الفترة تحولت الدولة الإسلامية من دولةٍ إقليمية إلى أكبر قوة سياسية في العالم آنذاك.

ومن أبرز منجزاتهم الحضارية:

أولاً: بناء أكبر دولة عرفها المسلمون
بلغت الدولة الأموية في عهدها أقصى اتساعٍ جغرافي في التاريخ الإسلامي، فامتدت حدودها من الأندلس غرباً حتى حدود الصين شرقاً، ومن جنوب فرنسا شمالاً إلى أعماق بلاد السند وآسيا الوسطى. وقد دخلت شعوبٌ وأممٌ كثيرة في الإسلام خلال هذا العصر، وانتشر الدين واللغة العربية في ثلاث قارات.

ثانياً: تعريب الدواوين وتوحيد الإدارة
يُعدُّ الخليفة عبد الملك بن مروان من أعظم رجال الإدارة في التاريخ الإسلامي، إذ عرّب الدواوين بعد أن كانت تُدار باليونانية والفارسية والقبطية، فجعل العربية لغة الدولة والإدارة، وأسهم بذلك في توحيد مؤسسات الدولة وتعزيز الهوية الحضارية للأمة.

ثالثاً: سكّ العملة الإسلامية المستقلة
قبل بني أمية كانت العملات المتداولة بيزنطية وساسانية، فجاء عبد الملك بن مروان فأصدر الدينار الإسلامي والدرهم الإسلامي، وأعلن الاستقلال الاقتصادي والسيادي للدولة الإسلامية، في خطوةٍ تُعدُّ من أعظم الإصلاحات المالية في التاريخ الإسلامي.

رابعاً: تأسيس نظام البريد والاستخبارات الإدارية
طوّر الأمويون شبكة البريد بين الولايات، وربطوا أطراف الدولة بطرقٍ ومحطاتٍ منتظمة، فأصبحت الأخبار والقرارات تنتقل بسرعة غير مسبوقة، مما ساعد على استقرار الإدارة وحسن إدارة الأقاليم.

خامساً: بناء القوة البحرية الإسلامية
في العصر الأموي أصبح للمسلمين أحد أقوى الأساطيل البحرية في البحر المتوسط، واستطاعوا حماية السواحل الإسلامية ومنافسة الدولة البيزنطية، وتحقيق انتصارات بحرية كان لها أثرٌ كبير في ترسيخ النفوذ الإسلامي.

سادساً: النهضة العمرانية
شيّد الأمويون عدداً من أعظم المعالم الإسلامية الخالدة، ومنها:

* المسجد الأموي الكبير في دمشق.
* قبة الصخرة في القدس.
* توسعة المسجد النبوي.
* توسعة المسجد الحرام.
* بناء مدينة واسط.
* تطوير مدينة القيروان.
ولا تزال هذه المعالم شاهدةً على رقي الفن والعمارة الإسلامية حتى اليوم.

سابعاً: نشر الإسلام في آفاق جديدة
في عهدهم فُتحت الأندلس بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير، ووصل المسلمون إلى جنوب فرنسا، كما فُتحت بلاد السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، واستُكملت فتوحات آسيا الوسطى بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي، فكان هذا العصر من أعظم عصور انتشار الإسلام.

ثامناً: الإصلاح والعدالة في عهد عمر بن عبد العزيز
شهدت الدولة الأموية في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز نموذجاً فريداً في العدل والإصلاح، فأعاد الأموال المظلومة، وخفف الضرائب، ونشر العلم، وأوقف كثيراً من المظالم، حتى عدّه كثيرٌ من العلماء خامس الخلفاء الراشدين لما عُرف عنه من الزهد والعدل.

تاسعاً: ترسيخ العلوم الشرعية
شهد العصر الأموي بداية التدوين المنظم للحديث النبوي، وكان من أشهر إنجازاته تكليف الخليفة عمر بن عبد العزيز الإمام محمد بن شهاب الزهري بجمع السنة النبوية وتدوينها، وهي خطوة مفصلية في حفظ التراث الإسلامي.

عاشراً: ترسيخ الهوية الحضارية الإسلامية
في العصر الأموي أصبحت العربية لغة الإدارة والعلم والسياسة، وانتشرت الثقافة الإسلامية في الأقاليم المفتوحة، وظهرت المدارس الفقهية الأولى، وازدهرت حركة القضاء والإدارة، مما أسس للحضارة الإسلامية التي بلغت ذروتها في العصور اللاحقة.

إنَّ من حق أي مسلم أن يناقش العثرات السياسية التي وقعت في العصر الأموي، كما يناقش أخطاء غيره من العصور، ولكن ليس من الإنصاف أن تُمحى تسعون سنة من البناء الحضاري بسبب الخلافات السياسية، أو أن يُختزل تاريخ دولةٍ عظيمة في رواياتٍ انتقائية أو خصوماتٍ مذهبية. وخاصة أن معظم تاريخ بني أمية كتب في العهد العباسي ... ومن الإنصاف أن نذكر الحسنات كما نذكر الأخطاء، وأن نحاكم الدول بمعيار العلم لا بمعيار الأهواء والغايات المذهبية والسياسية.

وقد صدق الإمام الذهبي رحمه الله حين قال:
"ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده، مع صحة إيمانه، وتوخيه اتباع الحق، أهدرناه وبدعناه، لقلَّ من يسلم من الأئمة".

ولهذا بقيت آثار بني أمية العمرانية، وإصلاحاتهم الإدارية، ومنجزاتهم العسكرية، وانتشار الإسلام في عصرهم، شواهدَ تاريخيةً لا يستطيع أحد إنكارها، مهما اختلفت المواقف السياسية من دولتهم.