الحمدان
09-12-2026, 09:48 PM
فوائد منتقاة من برنامج مجالس الفقه
لفضيلة الشيخ أ.د. سعد بن تركي الخثلان
-وفقه الله-
الاثنين ٢٥-٣-١٤٤٨هـ
[زكاة بهيمة الأنعام (١)]
١/ الأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة:
الأول: السائمة من بهيمة الأنعام.
الثاني: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار.
الثالث: النقدان، وهما الذهب والفضة وما في حكمهما.
الرابع: عروض التجارة.
وتحت كل قسم من هذه الأقسام تفاصيل وأحكام كثيرة.
٢/ المقصود ببهيمة الأنعام:
بهيمة الأنعام هي الأزواج الثمانية التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنعام: من الإبل اثنان، ومن البقر اثنان، ومن الضأن اثنان، ومن المعز اثنان؛ أي: الذكر والأنثى من كل نوع.
فهذه هي بهيمة الأنعام التي تتعلق بها أحكام الزكاة.
٣/ الخلاف في اشتراط السوم لوجوب زكاة بهيمة الأنعام:
اختلف الفقهاء في اشتراط السوم على قولين:
القول الأول: أن السوم شرط في وجوب الزكاة، فلا تجب الزكاة في المعلوفة، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة.
والقول الثاني: أن السوم ليس شرطًا، فتجب الزكاة في بهيمة الأنعام إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، سواء كانت سائمة أو معلوفة، وهو قول المالكية.
٤/ معنى السائمة والمعلوفة:
السائمة هي التي ترعى العشب والكلأ أكثر السنة، ولا يعلفها صاحبها غالب السنة.
أما المعلوفة فهي التي يقوم صاحبها بعلفها غالب السنة.
٥/ أدلة الجمهور على اشتراط السوم:
استدل الجمهور بما جاء في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه، في كتاب أبي بكر رضي الله عنه إليه لما وجهه إلى البحرين، وفيه: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة».
فقوله: «في سائمتها» يدل على أن الزكاة إنما تجب في السائمة، ومفهومه أن غير السائمة لا زكاة فيها.
واستدلوا كذلك بحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: «في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون».
وهذا يدل على اعتبار وصف السوم في وجوب الزكاة، وقد أخرجه أحمد والنسائي، وصححه الإمام أحمد.
ومن جهة المعنى: فإن السائمة قليلة المؤونة؛ لأنها ترعى من الكلأ والعشب المباح، فيظهر فيها معنى النماء والفضل، أما المعلوفة ففيها كلفة ونفقة، وقد تستغرق مؤونة العلف نماءها.
٦/ أدلة المالكية على عدم اشتراط السوم:
استدل المالكية بعموم الأحاديث الواردة في أنصبة الأنعام، كقول النبي ﷺ: «في أربعين شاة شاة»، وما جاء في مقادير زكاة الإبل والبقر.
وقالوا: إن هذه النصوص أوجبت الزكاة في بهيمة الأنعام إذا بلغت النصاب، ولم تجعل العلف مانعًا من وجوب الزكاة.
وأجابوا عن ذكر السائمة في بعض الأحاديث بأنه خرج مخرج الغالب؛ لأن غالب مواشي العرب كانت ترعى ولا تعلف، وقالوا: إن بهيمة الأنعام مال نام في الجملة، فلا يسقط أصل الزكاة لمجرد وجود المؤونة أو الكلفة.
٧/ سبب الخلاف والراجح في اشتراط السوم:
يرجع سبب الخلاف إلى فهم وصف السوم الوارد في الأحاديث: هل هو قيد مؤثر في الحكم، بحيث لا تجب الزكاة إلا في السائمة، أم هو وصف خرج مخرج الغالب؟
والأقرب -والله أعلم- هو قول الجمهور، وأن السوم شرط في وجوب الزكاة؛ لأن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، وكل كلمة من كلامه لها معناها ومدلولها، كما أن المعنى يؤيد ذلك؛ فالسائمة قليلة المؤونة، بخلاف المعلوفة التي قد تستغرق مؤونة العلف نماءها.
٨/ ضابط السوم المعتبر في الزكاة:
يشترط في اعتبار بهيمة الأنعام سائمة أن ترعى العشب والكلأ ونحوه مما نبت من غير زرع الآدمي، وأن يكون ذلك أكثر السنة.
أما إذا كانت ترعى ما يزرعه الإنسان فلا تعتبر سائمة، وكذلك إذا كانت ترعى أقل السنة وتعلف أكثرها.
فلو كانت ترعى خمسة أشهر ويعلفها صاحبها سبعة أشهر، فلا تعد سائمة، ولا زكاة فيها على القول الراجح.
٩/ المعد للتجارة من بهيمة الأنعام يزكى زكاة عروض التجارة:
اشتراط السوم إنما هو في بهيمة الأنعام غير المعدة للتجارة.
أما إذا كانت معدة للبيع والشراء، فتجب فيها الزكاة مطلقًا، سواء كانت سائمة أو معلوفة؛ لأنها من عروض التجارة.
فمن كان يتاجر في الإبل أو البقر أو الغنم، فإنه يزكيها زكاة عروض التجارة، ولا ينظر إلى كونها سائمة أو معلوفة.
١٠/ الشرط الثاني: أن تتخذ للدر والنسل والتسمين:
أما إذا اتخذت للعمل، كالتي كانت تستعمل في استخراج الماء أو الحرث أو الحمل، أو كانت تؤجر للحمل عليها، فلا زكاة في عينها.
١١/ الشرط الثالث: بلوغ النصاب:
من شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام أن تبلغ النصاب الشرعي، فإذا لم تبلغ النصاب فلا زكاة فيها، ولكل من الإبل والبقر والغنم نصاب محدد.
١٢/ نصاب الإبل يبدأ بخمس:
نصاب الإبل خمس، فما دون الخمس لا زكاة فيه، إلا إذا كانت معدة للتجارة فتزكى زكاة عروض التجارة.
فإذا بلغت خمسًا ففيها شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه.
١٣/ زكاة خمس وعشرين من الإبل:
إذا بلغت الإبل خمسًا وعشرين، ففيها بنت مخاض.
وبنت المخاض هي التي أتمت سنة ودخلت في السنة الثانية، وسميت بذلك لأن أمها تكون في الغالب ماخضًا، أي حاملًا.
١٤/ معنى الوقص في زكاة الإبل:
ما بين الفريضتين يسمى عند الفقهاء «الوقص»، ولا يزاد فيه شيء على الفريضة السابقة؛ رفقًا بالمالك.
ففي خمس وعشرين بنت مخاض، وكذلك من ست وعشرين إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستًا وثلاثين تغيرت الفريضة.
١٥/ زكاة ست وثلاثين من الإبل:
إذا بلغت الإبل ستًا وثلاثين ففيها بنت لبون.
وبنت اللبون هي التي أتمت سنتين ودخلت في السنة الثالثة، وسميت بذلك لأن أمها تكون في الغالب قد وضعت وصارت ذات لبن.
وتبقى هذه الفريضة إلى خمس وأربعين.
١٦/ زكاة ست وأربعين من الإبل:
إذا بلغت الإبل ستًا وأربعين ففيها حِقَّة.
والحِقَّة هي التي أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل وأن يحمل عليها.
وقد جاء في كتاب أبي بكر رضي الله عنه: «فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّة طَروقة الجمل».
١٧/ زكاة إحدى وستين من الإبل:
إذا بلغت الإبل إحدى وستين ففيها جَذَعة.
والجذعة هي التي أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة، وسميت بذلك لأنها تجذع، أي يسقط سنها.
والجذعة أعلى سن يجب إخراجه في زكاة الإبل.
١٨/ الفرق بين سن الإبل المجزئ في الزكاة وبين الهدي والأضحية:
بنت المخاض وبنت اللبون والحقة والجذعة تجزئ في الزكاة، لكنها لا تجزئ في الهدي ولا في الأضحية.
وإنما يجزئ من الإبل في الهدي والأضحية الثني، وهو ما أتم خمس سنين.
فإذا وجبت على صاحب المال جذعة ورضي أن يخرج ثنية بدلًا منها جاز ذلك؛ لأنها أعلى سنًا.
١٩/ بقية أنصبة الإبل:
إذا بلغت الإبل ستًا وسبعين ففيها بنتا لبون.
وإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان.
وإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون.
وقد جاءت هذه الأنصبة في كتاب أبي بكر رضي الله عنه الذي كتبه لأنس رضي الله عنه لما وجهه إلى البحرين، وهو في صحيح البخاري.
٢٠/ استقرار فريضة زكاة الإبل بعد مائة وعشرين:
إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استقرت الفريضة: في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
فعلى ذلك:
في مائة وثلاثين: حقة وبنتا لبون.
وفي مائة وأربعين: حقتان وبنت لبون.
وفي مائة وخمسين: ثلاث حقاق.
وفي مائة وستين: أربع بنات لبون.
وفي مائة وسبعين: حقة وثلاث بنات لبون.
وفي مائة وثمانين: حقتان وبنتا لبون.
وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق وبنت لبون.
وفي مائتين: أربع حقاق، أو خمس بنات لبون.
وهذه الأنصبة جاءت منصوصًا عليها في كتاب أبي بكر رضي الله عنه لأنس رضي الله عنه، وقد تلقته الأمة بالقبول.
٢١/ نصاب البقر ودليله:
تجب الزكاة في البقر بأنواعه، ويدخل في ذلك الجواميس؛ لأنها نوع من البقر.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن حكم الجواميس حكم البقر.
وأقل نصاب البقر ثلاثون؛ لحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ «من كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة».
وقد تلقى أهل العلم هذا الحديث بالقبول، وقال الحافظ ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ.
٢٢/ الفرق بين نصاب الإبل والبقر:
نصاب الإبل يبدأ بخمس، بينما نصاب البقر يبدأ بثلاثين، مع أن الإبل والبقر متساويان في الهدي والأضحية؛ فيجزئ كل واحد منهما عن سبعة.
وقد جاء في حديث جابر رضي الله عنه: «نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة».
٢٣/ أنصبة زكاة البقر:
إذا بلغت البقر ثلاثين، ففيها تبيع أو تبيعة، وهو ما أتم سنة، وسمي تبيعًا لأنه يتبع أمه في المسرح والمراح ونحو ذلك.
وإذا بلغت أربعين، ففيها مسنة، وهي ما أتمت سنتين، ويقال لها: ثنية.
وإذا بلغت ستين، ففيها تبيعان أو تبيعتان.
ثم تستقر الفريضة بعد ذلك: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.
فعلى ذلك في سبعين: تبيع ومسنة، وفي ثمانين: مسنتان، وفي تسعين: ثلاثة أتبعة، وهكذا.
٢٤/ أقل نصاب الغنم:
أقل نصاب الغنم أربعون، فما دون الأربعين لا زكاة فيه إذا لم تكن معدة للتجارة.
ويدل لذلك ما جاء في كتاب أبي بكر رضي الله عنه الذي كتبه لأنس رضي الله عنه: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة».
وهذا محل اتفاق بين أهل العلم.
أما إذا كانت الغنم معدة للتجارة، فتزكى زكاة عروض التجارة وإن كانت أقل من أربعين.
٢٥/ أنصبة زكاة الغنم:
إذا بلغت الغنم أربعين، ففيها شاة واحدة، ويراعى السن في الشاة المخرجة؛ فإن كانت من الضأن أجزأت الجذعة، وهي ما أتمت ستة أشهر، وإن كانت من المعز فلا بد أن تكون ثنية، وهي ما أتمت سنة.
ومن أربعين إلى مائة وعشرين: شاة واحدة.
فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين: ففيها شاتان.
فإذا بلغت مائتين وواحدة: ففيها ثلاث شياه.
فإذا بلغت أربعمائة: ففيها أربع شياه.
ثم تستقر الفريضة في كل مائة شاة؛ ففي خمسمائة خمس شياه، وفي ستمائة ست شياه، وفي ألف عشر شياه.
٢٦/ أكبر وقص في زكاة الغنم:
من مائتين وواحدة إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين ثلاث شياه، فإذا بلغت أربعمائة وجبت أربع شياه.
وهذا من أكبر أوقاص زكاة بهيمة الأنعام، وفيه يظهر التخفيف على المالك.
٢٧/ الواجب إخراج الوسط من المال في الزكاة:
لا يجوز إخراج الرديء من المال في الزكاة، كما أنه لا يجب إخراج أنفس المال وأجوده، وإنما الواجب إخراج الوسط.
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
ومعنى ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾: لا تقصدوا الرديء من المال فتخرجوه في الزكاة.
وقال النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه: «فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
فإن شاء صاحب المال أن يخرج من أجود ماله فهذا مستحب، لكنه لا يلزم بذلك.
٢٨/ لا تخرج الهرمة ولا ذات العوار في زكاة الأنعام:
جاء في كتاب أبي بكر رضي الله عنه الذي كتبه لأنس رضي الله عنه: «ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا ما شاء المصدِّق».
والهرمة: الكبيرة التي سقطت أسنانها، وذات العوار: المعيبة.
فلا تخرجان في الزكاة؛ لأنهما من رديء المال.
وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ أي: إن الإنسان لو أعطي المال الرديء لم يرض بأخذه في العادة إلا أن يتسامح فيه ويتغاضى عن عيبه.
٢٩/ معنى النهي عن أخذ التيس وضبط لفظ «المصدِّق»:
اختلف أهل العلم في سبب النهي عن أخذ التيس؛ فقال بعضهم: لنقصه وفساد لحمه، وقال آخرون: بل لأنه فحل الغنم، وهو من نفيس المال الذي يحتاج إليه صاحبه.
كما اختلف في ضبط قوله: «إلا ما شاء المصدِّق»؛ فقيل بتخفيف الصاد، والمراد به الساعي، وقيل بتشديد الصاد، والمراد به المالك.
والأقرب -والله أعلم- الثاني؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد المالك، وهو اختيار أبي عبيد.
وعلى ذلك فلا يؤخذ التيس بغير رضا المالك؛ لأنه فحل الغنم ومن كرام المال، وليس النهي عن أخذه لكونه من رديء المال.
٣٠/ حكم إخراج القيمة في زكاة بهيمة الأنعام:
اختلف الفقهاء في إخراج القيمة بدلًا من الماشية؛ فذهب الجمهور إلى أن زكاة المواشي تخرج منها على التفصيل السابق، ولا تدفع قيمتها.
وذهب بعض أهل العلم إلى جواز إخراج القيمة إذا كان في ذلك مصلحة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم.
والأقرب أنه إذا رأى الساعي أن أخذ القيمة أنفع للفقراء والمساكين، فلا بأس أن يدفع صاحب الماشية نقدًا بدل الماشية نفسها.
٣١/ يشترط عند إخراج القيمة اعتبار سعر السوق:
إذا أخرج صاحب المال القيمة بدل الماشية، فلا بد أن تكون مساوية لقيمتها في السوق، ولا يجوز للساعي أن يخفضها عن القيمة السوقية.
فلو وجبت عليه بنت مخاض وأراد دفع قيمتها، قدرت بنت المخاض بسعرها في السوق ودفع مثلها.
أما تخفيض القيمة عن سعر السوق فلا يجوز، ولا تبرأ ذمة المالك بذلك.
لفضيلة الشيخ أ.د. سعد بن تركي الخثلان
-وفقه الله-
الاثنين ٢٥-٣-١٤٤٨هـ
[زكاة بهيمة الأنعام (١)]
١/ الأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة:
الأول: السائمة من بهيمة الأنعام.
الثاني: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار.
الثالث: النقدان، وهما الذهب والفضة وما في حكمهما.
الرابع: عروض التجارة.
وتحت كل قسم من هذه الأقسام تفاصيل وأحكام كثيرة.
٢/ المقصود ببهيمة الأنعام:
بهيمة الأنعام هي الأزواج الثمانية التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنعام: من الإبل اثنان، ومن البقر اثنان، ومن الضأن اثنان، ومن المعز اثنان؛ أي: الذكر والأنثى من كل نوع.
فهذه هي بهيمة الأنعام التي تتعلق بها أحكام الزكاة.
٣/ الخلاف في اشتراط السوم لوجوب زكاة بهيمة الأنعام:
اختلف الفقهاء في اشتراط السوم على قولين:
القول الأول: أن السوم شرط في وجوب الزكاة، فلا تجب الزكاة في المعلوفة، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة.
والقول الثاني: أن السوم ليس شرطًا، فتجب الزكاة في بهيمة الأنعام إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، سواء كانت سائمة أو معلوفة، وهو قول المالكية.
٤/ معنى السائمة والمعلوفة:
السائمة هي التي ترعى العشب والكلأ أكثر السنة، ولا يعلفها صاحبها غالب السنة.
أما المعلوفة فهي التي يقوم صاحبها بعلفها غالب السنة.
٥/ أدلة الجمهور على اشتراط السوم:
استدل الجمهور بما جاء في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه، في كتاب أبي بكر رضي الله عنه إليه لما وجهه إلى البحرين، وفيه: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة».
فقوله: «في سائمتها» يدل على أن الزكاة إنما تجب في السائمة، ومفهومه أن غير السائمة لا زكاة فيها.
واستدلوا كذلك بحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: «في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون».
وهذا يدل على اعتبار وصف السوم في وجوب الزكاة، وقد أخرجه أحمد والنسائي، وصححه الإمام أحمد.
ومن جهة المعنى: فإن السائمة قليلة المؤونة؛ لأنها ترعى من الكلأ والعشب المباح، فيظهر فيها معنى النماء والفضل، أما المعلوفة ففيها كلفة ونفقة، وقد تستغرق مؤونة العلف نماءها.
٦/ أدلة المالكية على عدم اشتراط السوم:
استدل المالكية بعموم الأحاديث الواردة في أنصبة الأنعام، كقول النبي ﷺ: «في أربعين شاة شاة»، وما جاء في مقادير زكاة الإبل والبقر.
وقالوا: إن هذه النصوص أوجبت الزكاة في بهيمة الأنعام إذا بلغت النصاب، ولم تجعل العلف مانعًا من وجوب الزكاة.
وأجابوا عن ذكر السائمة في بعض الأحاديث بأنه خرج مخرج الغالب؛ لأن غالب مواشي العرب كانت ترعى ولا تعلف، وقالوا: إن بهيمة الأنعام مال نام في الجملة، فلا يسقط أصل الزكاة لمجرد وجود المؤونة أو الكلفة.
٧/ سبب الخلاف والراجح في اشتراط السوم:
يرجع سبب الخلاف إلى فهم وصف السوم الوارد في الأحاديث: هل هو قيد مؤثر في الحكم، بحيث لا تجب الزكاة إلا في السائمة، أم هو وصف خرج مخرج الغالب؟
والأقرب -والله أعلم- هو قول الجمهور، وأن السوم شرط في وجوب الزكاة؛ لأن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، وكل كلمة من كلامه لها معناها ومدلولها، كما أن المعنى يؤيد ذلك؛ فالسائمة قليلة المؤونة، بخلاف المعلوفة التي قد تستغرق مؤونة العلف نماءها.
٨/ ضابط السوم المعتبر في الزكاة:
يشترط في اعتبار بهيمة الأنعام سائمة أن ترعى العشب والكلأ ونحوه مما نبت من غير زرع الآدمي، وأن يكون ذلك أكثر السنة.
أما إذا كانت ترعى ما يزرعه الإنسان فلا تعتبر سائمة، وكذلك إذا كانت ترعى أقل السنة وتعلف أكثرها.
فلو كانت ترعى خمسة أشهر ويعلفها صاحبها سبعة أشهر، فلا تعد سائمة، ولا زكاة فيها على القول الراجح.
٩/ المعد للتجارة من بهيمة الأنعام يزكى زكاة عروض التجارة:
اشتراط السوم إنما هو في بهيمة الأنعام غير المعدة للتجارة.
أما إذا كانت معدة للبيع والشراء، فتجب فيها الزكاة مطلقًا، سواء كانت سائمة أو معلوفة؛ لأنها من عروض التجارة.
فمن كان يتاجر في الإبل أو البقر أو الغنم، فإنه يزكيها زكاة عروض التجارة، ولا ينظر إلى كونها سائمة أو معلوفة.
١٠/ الشرط الثاني: أن تتخذ للدر والنسل والتسمين:
أما إذا اتخذت للعمل، كالتي كانت تستعمل في استخراج الماء أو الحرث أو الحمل، أو كانت تؤجر للحمل عليها، فلا زكاة في عينها.
١١/ الشرط الثالث: بلوغ النصاب:
من شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام أن تبلغ النصاب الشرعي، فإذا لم تبلغ النصاب فلا زكاة فيها، ولكل من الإبل والبقر والغنم نصاب محدد.
١٢/ نصاب الإبل يبدأ بخمس:
نصاب الإبل خمس، فما دون الخمس لا زكاة فيه، إلا إذا كانت معدة للتجارة فتزكى زكاة عروض التجارة.
فإذا بلغت خمسًا ففيها شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه.
١٣/ زكاة خمس وعشرين من الإبل:
إذا بلغت الإبل خمسًا وعشرين، ففيها بنت مخاض.
وبنت المخاض هي التي أتمت سنة ودخلت في السنة الثانية، وسميت بذلك لأن أمها تكون في الغالب ماخضًا، أي حاملًا.
١٤/ معنى الوقص في زكاة الإبل:
ما بين الفريضتين يسمى عند الفقهاء «الوقص»، ولا يزاد فيه شيء على الفريضة السابقة؛ رفقًا بالمالك.
ففي خمس وعشرين بنت مخاض، وكذلك من ست وعشرين إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستًا وثلاثين تغيرت الفريضة.
١٥/ زكاة ست وثلاثين من الإبل:
إذا بلغت الإبل ستًا وثلاثين ففيها بنت لبون.
وبنت اللبون هي التي أتمت سنتين ودخلت في السنة الثالثة، وسميت بذلك لأن أمها تكون في الغالب قد وضعت وصارت ذات لبن.
وتبقى هذه الفريضة إلى خمس وأربعين.
١٦/ زكاة ست وأربعين من الإبل:
إذا بلغت الإبل ستًا وأربعين ففيها حِقَّة.
والحِقَّة هي التي أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل وأن يحمل عليها.
وقد جاء في كتاب أبي بكر رضي الله عنه: «فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّة طَروقة الجمل».
١٧/ زكاة إحدى وستين من الإبل:
إذا بلغت الإبل إحدى وستين ففيها جَذَعة.
والجذعة هي التي أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة، وسميت بذلك لأنها تجذع، أي يسقط سنها.
والجذعة أعلى سن يجب إخراجه في زكاة الإبل.
١٨/ الفرق بين سن الإبل المجزئ في الزكاة وبين الهدي والأضحية:
بنت المخاض وبنت اللبون والحقة والجذعة تجزئ في الزكاة، لكنها لا تجزئ في الهدي ولا في الأضحية.
وإنما يجزئ من الإبل في الهدي والأضحية الثني، وهو ما أتم خمس سنين.
فإذا وجبت على صاحب المال جذعة ورضي أن يخرج ثنية بدلًا منها جاز ذلك؛ لأنها أعلى سنًا.
١٩/ بقية أنصبة الإبل:
إذا بلغت الإبل ستًا وسبعين ففيها بنتا لبون.
وإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان.
وإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون.
وقد جاءت هذه الأنصبة في كتاب أبي بكر رضي الله عنه الذي كتبه لأنس رضي الله عنه لما وجهه إلى البحرين، وهو في صحيح البخاري.
٢٠/ استقرار فريضة زكاة الإبل بعد مائة وعشرين:
إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استقرت الفريضة: في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
فعلى ذلك:
في مائة وثلاثين: حقة وبنتا لبون.
وفي مائة وأربعين: حقتان وبنت لبون.
وفي مائة وخمسين: ثلاث حقاق.
وفي مائة وستين: أربع بنات لبون.
وفي مائة وسبعين: حقة وثلاث بنات لبون.
وفي مائة وثمانين: حقتان وبنتا لبون.
وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق وبنت لبون.
وفي مائتين: أربع حقاق، أو خمس بنات لبون.
وهذه الأنصبة جاءت منصوصًا عليها في كتاب أبي بكر رضي الله عنه لأنس رضي الله عنه، وقد تلقته الأمة بالقبول.
٢١/ نصاب البقر ودليله:
تجب الزكاة في البقر بأنواعه، ويدخل في ذلك الجواميس؛ لأنها نوع من البقر.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن حكم الجواميس حكم البقر.
وأقل نصاب البقر ثلاثون؛ لحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ «من كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة».
وقد تلقى أهل العلم هذا الحديث بالقبول، وقال الحافظ ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ.
٢٢/ الفرق بين نصاب الإبل والبقر:
نصاب الإبل يبدأ بخمس، بينما نصاب البقر يبدأ بثلاثين، مع أن الإبل والبقر متساويان في الهدي والأضحية؛ فيجزئ كل واحد منهما عن سبعة.
وقد جاء في حديث جابر رضي الله عنه: «نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة».
٢٣/ أنصبة زكاة البقر:
إذا بلغت البقر ثلاثين، ففيها تبيع أو تبيعة، وهو ما أتم سنة، وسمي تبيعًا لأنه يتبع أمه في المسرح والمراح ونحو ذلك.
وإذا بلغت أربعين، ففيها مسنة، وهي ما أتمت سنتين، ويقال لها: ثنية.
وإذا بلغت ستين، ففيها تبيعان أو تبيعتان.
ثم تستقر الفريضة بعد ذلك: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.
فعلى ذلك في سبعين: تبيع ومسنة، وفي ثمانين: مسنتان، وفي تسعين: ثلاثة أتبعة، وهكذا.
٢٤/ أقل نصاب الغنم:
أقل نصاب الغنم أربعون، فما دون الأربعين لا زكاة فيه إذا لم تكن معدة للتجارة.
ويدل لذلك ما جاء في كتاب أبي بكر رضي الله عنه الذي كتبه لأنس رضي الله عنه: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة».
وهذا محل اتفاق بين أهل العلم.
أما إذا كانت الغنم معدة للتجارة، فتزكى زكاة عروض التجارة وإن كانت أقل من أربعين.
٢٥/ أنصبة زكاة الغنم:
إذا بلغت الغنم أربعين، ففيها شاة واحدة، ويراعى السن في الشاة المخرجة؛ فإن كانت من الضأن أجزأت الجذعة، وهي ما أتمت ستة أشهر، وإن كانت من المعز فلا بد أن تكون ثنية، وهي ما أتمت سنة.
ومن أربعين إلى مائة وعشرين: شاة واحدة.
فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين: ففيها شاتان.
فإذا بلغت مائتين وواحدة: ففيها ثلاث شياه.
فإذا بلغت أربعمائة: ففيها أربع شياه.
ثم تستقر الفريضة في كل مائة شاة؛ ففي خمسمائة خمس شياه، وفي ستمائة ست شياه، وفي ألف عشر شياه.
٢٦/ أكبر وقص في زكاة الغنم:
من مائتين وواحدة إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين ثلاث شياه، فإذا بلغت أربعمائة وجبت أربع شياه.
وهذا من أكبر أوقاص زكاة بهيمة الأنعام، وفيه يظهر التخفيف على المالك.
٢٧/ الواجب إخراج الوسط من المال في الزكاة:
لا يجوز إخراج الرديء من المال في الزكاة، كما أنه لا يجب إخراج أنفس المال وأجوده، وإنما الواجب إخراج الوسط.
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
ومعنى ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾: لا تقصدوا الرديء من المال فتخرجوه في الزكاة.
وقال النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه: «فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
فإن شاء صاحب المال أن يخرج من أجود ماله فهذا مستحب، لكنه لا يلزم بذلك.
٢٨/ لا تخرج الهرمة ولا ذات العوار في زكاة الأنعام:
جاء في كتاب أبي بكر رضي الله عنه الذي كتبه لأنس رضي الله عنه: «ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا ما شاء المصدِّق».
والهرمة: الكبيرة التي سقطت أسنانها، وذات العوار: المعيبة.
فلا تخرجان في الزكاة؛ لأنهما من رديء المال.
وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ أي: إن الإنسان لو أعطي المال الرديء لم يرض بأخذه في العادة إلا أن يتسامح فيه ويتغاضى عن عيبه.
٢٩/ معنى النهي عن أخذ التيس وضبط لفظ «المصدِّق»:
اختلف أهل العلم في سبب النهي عن أخذ التيس؛ فقال بعضهم: لنقصه وفساد لحمه، وقال آخرون: بل لأنه فحل الغنم، وهو من نفيس المال الذي يحتاج إليه صاحبه.
كما اختلف في ضبط قوله: «إلا ما شاء المصدِّق»؛ فقيل بتخفيف الصاد، والمراد به الساعي، وقيل بتشديد الصاد، والمراد به المالك.
والأقرب -والله أعلم- الثاني؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد المالك، وهو اختيار أبي عبيد.
وعلى ذلك فلا يؤخذ التيس بغير رضا المالك؛ لأنه فحل الغنم ومن كرام المال، وليس النهي عن أخذه لكونه من رديء المال.
٣٠/ حكم إخراج القيمة في زكاة بهيمة الأنعام:
اختلف الفقهاء في إخراج القيمة بدلًا من الماشية؛ فذهب الجمهور إلى أن زكاة المواشي تخرج منها على التفصيل السابق، ولا تدفع قيمتها.
وذهب بعض أهل العلم إلى جواز إخراج القيمة إذا كان في ذلك مصلحة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم.
والأقرب أنه إذا رأى الساعي أن أخذ القيمة أنفع للفقراء والمساكين، فلا بأس أن يدفع صاحب الماشية نقدًا بدل الماشية نفسها.
٣١/ يشترط عند إخراج القيمة اعتبار سعر السوق:
إذا أخرج صاحب المال القيمة بدل الماشية، فلا بد أن تكون مساوية لقيمتها في السوق، ولا يجوز للساعي أن يخفضها عن القيمة السوقية.
فلو وجبت عليه بنت مخاض وأراد دفع قيمتها، قدرت بنت المخاض بسعرها في السوق ودفع مثلها.
أما تخفيض القيمة عن سعر السوق فلا يجوز، ولا تبرأ ذمة المالك بذلك.