![]() |
الإرضاع الترفيهي
الإرضاع الترفيهي
__________________ إن من أخطر المصطلحات التي توقفت عندها في كتاب "فخ العولمة" (لمؤلفيه هانس بيتر مارتين وهارالد شومان) مصطلح الارضاع الترفيهي. __________ ظهر المصطلح في نقاشات بعض قادة السياسة والاقتصاد العالمي، حيث صاغه (مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق) حول مستقبل العالم في ظل التكنولوجيا والعولمة، وكانت الفكرة صادمة ومبنية على خطة محكمة من أعداء الدين والأمة، وكانت الفكرة إذا كانت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأتمتة ستقلل الحاجة إلى أعداد كبيرة من العاملين، بحيث لن يحتاج الاقتصاد العالمي سوى لـ ٢٠٪ فقط من البشر لإنتاج كل شيء، فكيف يمكن التعامل مع الـ ٨٠٪ من سكان العالم الذين سيصبحون خارج دائرة التأثير والإنتاج والفائضين عن الحاجة الاقتصادية؟ كان الجواب المطروح هو تخديرهم عبر الارضاع الترفيهي لا تجعلهم يفكرون كثيرًا، ولا تجعلهم يغضبون كثيرًا، ولا تجعلهم يسألون كثيرًا، أشغلهم فقط! أعطهم جرعات مستمرة من الترفيه والمتعة والاستهلاك والانشغال، محتوى لا ينتهي، أخبار لا تنتهي، مباريات لا تنتهي، مشاهير لا ينتهون، مقاطع قصيرة لا تنتهي، فيبقى الإنسان منشغلاً، لكن ليس بالضرورة متقدمًا، ومع مرور الوقت يصبح الترفيه وسيلة تخدير أكثر منه وسيلة راحة، والمشكلة ليست في الترفيه نفسه، فالإنسان يحتاج إلى الراحة والترويح عن النفس، لكن المشكلة عندما يتحول الترفيه من وسيلة لاستعادة الطاقة، إلى غاية تستهلك العمر، وقد حذرنا الله تعالى من هذا الانشغال التافه والملهي الذي يسلب غاية الوجود، فقال سبحانه: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ………} (الأنبياء ١-٣) وقال النبي ﷺ محذراً من ضياع أثمن ما يملك الإنسان: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ" [رواه البخاري]. عندما تحفظ نتائج المباريات أكثر مما تحفظ خطتك المهنية، عندما يصبح الهاتف أكثر قدرة على جذب انتباهك من كتاب أو مهارة أو مشروع يغير مستقبلك، وهنا يبدأ الفخ.. لأن أخطر أنواع السيطرة ليست أن يُمنع الإنسان من التفكير، بل أن يُشغل عن التفكير، أخشى أن أخطر أنواع "الإرضاع الترفيهي" اليوم ليست أنه يسرق وقتنا، بل أنه يسرق وعينا ويجعلك تنشغل بمن لستَ أنت، وتنسى من أنت، حتى تبتعد شيئًا فشيئًا عن الغاية التي خُلقت من أجلها، وهي قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ويصف الإمام ابن القيم -رحمه الله- هذا التشتت بدقة عجيبة كأنه يعيش بيننا اليوم فيقول: "إضاعةُ الوقتِ أشدُّ من الموتِ، لأنَّ إضاعةَ الوقتِ تقطعُكَ عن اللهِ والدارِ الآخرةِ، والموتُ يقطعُكَ عن الدُّنيا وأهلِها" [كتاب الفوائد]. فكل دقيقة انتباه تملكها هي ثروة وهناك من يتنافس عليها، يريدك أن تشاهد ما يريد، وتهتم بما يريد، وتفكر فيما يريد، وتستهلك ما يريد، حتى تتحول أحلامك إلى نسخة من أحلامه وأهدافك إلى وقود لتحقيق أهدافه. والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: 1️⃣ هل أقود انتباهي؟ أم أن هناك من يقوده نيابة عني؟ 2️⃣ هل أستخدم هذه المنصات؟ أم أنها تستخدمني؟ 3️⃣ هل هذا ما خُلقت من أجله؟ أم أني خلقت لغاية أخرى اسمى؟ أيها الناس أفيقوا من غفلتكم، انتبهوا للفخ الذي وقعتم فيه، افطموا أنفسكم قبل أن تفطم عقولكم عن التفكير وقبل أن يمر العمر وأنتم تحققون أهداف أعدائكم وأعداء دينكم وأمتكم |
| الساعة الآن 01:31 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات شمران الرسمية