![]() |
الواقعية والمثالية
الواقعية والمثالية...
النص يقوم على فكرة مركزية مفادها أن البناء الإنساني المتوازن لا يقوم على أحد القطبين وحده: لا المثالية الخالصة، ولا الواقعية المجردة؛ بل على تركيب عقلي يجمع بينهما ضمن حدود الطبيعة البشرية. أولاً: شرح الفكرة العامة المثالية تمثل الاتجاه نحو الصورة الأفضل الممكنة للأشياء: القيم العليا، المعايير الأخلاقية، والتصورات الكاملة للحياة والإنسان. لكنها إذا انفصلت عن الواقع تحولت إلى تصور ذهني مجرد لا يمكن تطبيقه، فيصبح صاحبها أسير نظريات جميلة غير قابلة للتحقق. أما الواقعية فهي التعامل مع الوقائع كما هي، بحدودها ونواقصها وإمكاناتها المتاحة. لكنها إذا خلت من قدر من المثالية فقدت القدرة على تحسين الواقع، لأنها تصبح مجرد استسلام لما هو قائم دون محاولة ترقيته. ولهذا يقرر النص أن التوازن الصحيح هو: مثالية موجهة للواقع، وواقعية قابلة للتطوير. ثم ينتقل النص إلى قاعدة ثالثة: أن الخطأ جزء من طبيعة الإنسان، وليس حادثاً عرضياً فقط. فالنقص في الإنسان مقصود في نظام الوجود، لأنه يفتح باب التعلم، والتوبة، والتجربة، والنمو. ثانياً: الدليل الشرعي والفلسفي هذه الفكرة لها أصل واضح في النصوص الشرعية. قال الله تعالى: ( وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ) وقال سبحانه وتعالى: ( إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" رواه الترمذي. فهذه النصوص تقرر أن الخطأ ليس خللاً خارج الطبيعة البشرية، بل هو جزء من بنيتها. ثالثاً: القواعد التي يقوم عليها النص : القاعدة الأولى: التوازن بين المثال والواقع المثال يحدد الاتجاه، والواقع يحدد المسار الممكن. القاعدة الثانية: الفكرة المجردة إذا لم ترتبط بالواقع فقدت قيمتها العملية. القاعدة الثالثة: الواقع إذا لم يُقَيَّم بمعيار أعلى يبقى ثابتاً ولا يتحسن. القاعدة الرابعة: النقص البشري جزء من النظام الكوني وهو ما يسمح بوجود التعلم، الإصلاح، التربية، والتوبة. القاعدة الخامسة: التحسين التدريجي هو الطريق الطبيعي للتقدم لا الكمال المطلق ولا الاستسلام للواقع. رابعاً: تطبيقات الفكرة في الحياة: - في التربية: المربي المثالي الذي لا يراعي طبيعة الطفل يفشل. والمربي الواقعي الذي يتخلى عن القيم يفسد. - في العلاقات: المطالبة بالكمال تدمر العلاقات. وقبول كل شيء بلا معيار يفسدها. - في الإدارة والعمل: الخطط المثالية غير القابلة للتنفيذ تفشل، والعمل بلا رؤية تطويرية يتجمد. خامساً: الخلاصة المعرفية: المثالية تحدد الاتجاه، والواقعية تضبط الإمكان، والخطأ البشري يفتح باب التعلم. ومن هنا فإن الإنسان العاقل لا يطلب الكمال المطلق في الواقع، ولا يقبل الواقع كما هو دون محاولة تحسينه، بل يعمل على ترقية الممكن ضمن حدود الطبيعة البشرية. وهذه هي قاعدة الإصلاح في الفكر والسلوك: السير نحو المثال الأعلى ضمن حدود الواقع الممكن. د. فيصل خالد الغريب مستشار نظم العقل والاتصال البشري |
| الساعة الآن 09:29 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات شمران الرسمية