منتديات قبائل شمران الرسمية


منتدى نصره الرسول (صلى الله عليه وسلم ) نسأل الله أن يحشرنا في زمرة الأنبياء والعلماء والصالحين

إضافة رد

 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع

قديم 08-17-2023, 01:39 AM   #1
 
الصورة الرمزية عفراء باشوت
 

عفراء باشوت is on a distinguished road
Arrow في الهجرة النبوية توكل على الله وتضحية (خطبة)🕋

في الهجرة النبوية توكل على الله وتضحية (خطبة)

بقلم/ الشيخ فؤاد بن يوسف أبو سعيد


في الهجرة النبوية

توكُّلٌ على الله وتضحية




إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.


﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102]،﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1]،﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد:
فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.


أعاذني الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يُقرِّب إلى النار، اللهم آمين آمين يا رب العالمين.


ذهب عامٌ، واستقبلنا هذا العام من الأعوام الهجرية الهلالية القمرية، التي افتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم بهجرته من مكة إلى المدينة، هجرته من بلاد الشرك إلى تأسيس التوحيد والإيمان والإسلام، في بلاد الأمن والأمان.


والهجرةُ والهَجْرُ في اللغة معناه: الترك، فأنت عندما تخاصم أخاك فقد هجرته؛ أي: تركت مصاحبتَه ومرافقته، فالهجرة من معانيها الترك، وفيها التضحية، وفيها الفداء، فقد ضحَّى صلى الله عليه وسلم بأغلى ما يملك، فقد ترك في مكةَ المكرمةِ؛ ترك مسقط رأسه، وتركَ منزله وبيته، وترك داره ووطنه، فخرج حزينًا باكيًا، لم يخرج فَرِحًا مسرورًا، خرج مهاجرًا، قائلًا وهو متَّجِهٌ إلى مكَّة، اتجه إليها وقال: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، -وفي رواية: وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَيَّ- وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»؛ رواه الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد، «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ»، سنن الترمذي (3925)، وابن ماجه (3108)، مسند أحمد، ط. الرسالة (31/10) (18715)، المشكاة (2725)، صحيح الجامع (2418).


لماذا خرج؟
هو ما خرج؛ هو أُخرج منها، أُخرجَ منها؛ لأنه ذاقَ هناك القهرَ والاستعباد، ذاق الظلم والاستبداد، حاولوا قتله، حاولوا سجنه، أصبح طريدًا لهم، ماذا يفعل؟ منعوه من تبليغ دعوته، ونشر رسالته، صلى الله عليه وسلم، ماذا يفعل؟ ولهذا على كلِّ مسلمٍ يُضَيَّقُ عليه في وطنه، وداره وأهله، فلا يستطيع صلاةً ولا صيامًا، ولا ذكرًا لله؛ فليخرج من هذا المكان، وليهاجر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.


ألا واعلموا أنَّ في الهجرة لا بُدَّ أن يكون التوكُّلُ على الله سبحانه وتعالى، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ»؛ رواه الترمذي وابن حبان، (ت) (2517)، (حب) (731)، صَحِيح الْجَامِع: (1068)، صحيح موارد الظمآن: (2162).


يعني التوكُّل وحده دون الأخذ بالأسباب، دون العمل؛ كما يفهمه كثير من الناس غير صحيح، خذ بالأسباب وتوكَّل على الوهَّاب، يهبك ما يشاء مما تحتاج إليه، وهذا ما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث توكَّلَ على الله حقَّ توكُّلِه، وأخذ بالأسباب الدنيوية، فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكُّلَ على الوهَّاب سبحانه.


فمن هذه الأسباب؛ عندما خرج من بيته، وهو يعلم أن بيته محاصرٌ من أكثر من أربعين نفرًا يريدون قتله صلى الله عليه وسلم، وضع في فراشه، واستناب خلفه ابنَ عمِّه؛ عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه، فتغطَّى، وغطَّى رأسه، فظنَّ المشركون أنه في الفراش، وخرج صلى الله عليه وسلم، هذا نوع من أخذ أكبر قدر ممكن من الزمن، حتى تتاحَ له الفرصة أنْ ينال مراده، وينجو من حصارهم، خذ بالأسباب لكن توكَّل على الله.


واتَّجَه صلى الله عليه وسلم، إلى غيرِ هدفِه يريد المدينة، فاتَّجه جنوبًا إلى غار ثور، حتى يموِّه على المشركين أنه يريد اليمن مثلًا، أو الطائف مع الالتفاف ونحو ذلك.


أخذ بالأسباب؛ فاختبأ هو وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه في غار ثور، والاختباءُ هذا لا ينافي التوكُّل، ولكن إذا توقَّفت الأسبابُ عن الحفظِ والصون تدخل اللهُ عزَّ وجلَّ، وهنا تكون حقيقة التوكُّل على الله سبحانه وتعالى.


وأيضًا استأجرَ دليلًا يدلُّه على الطريق، وهو عبدالله بن أُريقط، رجلٌ ماهرٌ خِرِّيتٌ كما يقولون، يعرف الطرق الملتوية التي تموه على المشركين أمرهم، هذا الرجل مشركٌ، ولكنه لا يغدر ولا يخون، أخذ بعض الدريهمات لكنه قد سمع أن مقابل من يدل على محمد وصاحبه له مائة من الإبل، لم يأخذ المائة ولم يدلَّ عليهم، وهو مشرك لم يخن ولم يغدر، وهذه في المسلمين اليوم منتشرة، الغدر والخيانة؛ إلا من رحم الله، مسلم ويغدر، مسلم ويخون، ومشرك عنده الأمن والأمانة؛ لأن ذلك عند العربي الحر يعدُّ عيبًا وعارًا.


ولذلك المهاجر إذا هاجر إلى الله عزَّ وجلَّ حفظه الله وتولَّاه، وكان في كلاءته وحفظه سبحانه وتعالى.


فالمشركون لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم مع وقوفهم على باب الغار المفتوح، وليس عليه صخرة، وليس عليه حمام باض وعشَّش، وليس عليه عنكبوت نسج بيته، هذه روايات تاريخية لم تثبت من ناحية إسنادها، الباب مفتوح، لدرجة أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال: (قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا)، فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا»؛ رواه البخاري ومسلم، (خ) (3653)، (م) 1- (2381).


فما الذي يمنعهم من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم؟
فالأسباب توقفت، فتدخلت العناية الإلهية، هم متوكِّلون على الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فماذا كان ردُّ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا كان ردُّه؟ بالتوكُّل العظيم، "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، يعني: نحن مع الله، والله معنا؛ لذلك لم يروا؛ لا النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا أبا بكر رضي الله عنه، مع أنهما أمامهم، وهذه آية من آيات الله!


أيها أعظم آية؟ أن يأتي حمام ويعشِّش، ويأتي عنكبوت وينسج، أم لا يبقى شيء، وينكشفون أمام المشركين، والمشركون ينظرون ولا يرون؟!


الثانية أعظم فهي خارقة للعادة وبدون أسباب، بل بتوكُّل من الله سبحانه وتعالى، توكَّل بنفسه بحفظهم، ورجعوا بخفَّي حنين، وأعلنوا الجائزة لمن ألقى القبض عليه صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبه مائة من الإبل.


وحتى لو رآه المشركون فهل سيُسَلَّطون عليه؟ هل سيسلط المشرك على من هاجر لله سبحانه وتعالى؟
لا والله، فقد لحقَ به بالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، عندما أخذوا الساحل، واتجهوا نحو الطريق الصحيح نحو المدينة، لحق به سراقةُ بن مالك ابن جعشم، وهو يريد الجائزة، المائةَ من الإبل وحده، فأخذ رمحه، وركب فرسه، ولحق بالركب الثلاثة، بالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه والدليل عبدالله بن أريقط، النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أخذ بالأسباب، لكن لحق بهم سراقة، ويتدخَّل الله عز وجل، قال أبو بكر رضي الله عنه: (فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَقُلْتُ: هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ)، فَقَالَ: «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»؛ رواه البخاري (3652)، (فَقُلْتُ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا")؛ رواه البخاري (3615). (فَلَمَّا دَنَا؛ دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ إلى بَطْنِهِ، فَوَثَبَ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي، وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ، قَالَ: "لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ")؛ رواه مسلم 75- (2009).


(وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنَجَا، فَجَعَلَ سُرَاقَةُ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا، فلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: فَوَفَى لَنَا)؛ رواه البخاري ومسلم، (خ) (3615)، (م) 75- (2009).


وقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ"، يعني: لا أريد منك شيئًا، "أَخْفِ عَنَّا"، وخذل عنا، قال سراقة: (فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ)؛ رواه البخاري (3906)، أعطني كتاب (مُوَادَعَةٍ آمَنُ بِهِ)، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ، فَكَتَبَ لِي فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ رواه أحمد وابن حبان، (حم) (17591)، (حب) (6280)، فأعطاه كتابًا جاء به بعد فتح المسلمين لبلاد فارس.


جاء مطارِدًا طالبًا، ورجع مدافِعًا منافِحًا، (قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا، فلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ)، هذه الطريق لم أجد فيها أحدًا، وأبعدَهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا دخل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه؛ إلا الدعاء والاستعانة بالله سبحانه وتعالى.


المهاجر لله وفي سبيل الله، وفي سبيل الدعوة إليه، لن يتركه الله رهينة الجوع والعطش، ففي طريقه صلى الله عليه وسلم لم يكن معهم زاد أو نحوه، ولكن وجدوا راعي غنم هو عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، يرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، وهذه قصته يرويها بنفسه: قَالَ رضي الله عنه: (كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: "يَا غُلَامُ، هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟" قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ، قَالَ: "فَهَلْ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الْفَحْلُ؟" فَأَتَيْتُهُ بِشَاةٍ، فَمَسَحَ ضَرْعَهَا، فَنَزَلَ لَبَنٌ، فَحَلَبَهُ فِي إِنَاءٍ، فَشَرِبَ، وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ لِلضَّرْعِ: "اقْلِصْ" فَقَلَصَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، قَالَ: فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: "يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِنَّكَ غُلَيِّمٌ مُعَلَّمٌ"؛ رواه أحمد وابن حبان، (حم) (3598)، (حب) (6504).


انظر أخي في الدين إلى الأمانة: (قال: أنا راعٍ وأنا أمين مؤتمن، لا أعطيكم شاة، راعٍ وأمين، فيطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم شاةً لم ينز عليها فحل! يعني ما حملت مطلقًا، ولا ولدت، وليس بها لبن، فأعطاهم فأخذها ومسح ضرعها، وسمى الله، ودرَّت، وشرب صلى الله عليه وسلم وشرب أبو بكر، وشرب من معه، ثم دعا الله فقلص ضرعها، ورجعت كما كانت، فآمن عبدالله بن مسعود، وردَّ الغنم إلى أهلها ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم.


الهجرة النبوية كانت لهدفٍ، وقد تحقق رغم المأساة والمشقة، وطول الطريق، أكثر من أربعمائة كيلومتر في هذا الزمن يقطعها على قدميه صلى الله عليه وسلم، فهل كان هدفه إنشاء دولة أو تبليغ دعوة؟

الصحيح أنه تبليغ دعوة، هكذا أُمِر صلى الله عليه وسلم، أما الدولة والخلافة وما شابه ذلك، فهذا تبعٌ للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ فلذلك إن بلَّغ دعوته، ولم يَبْنِ دولةً فقد أدى ما عليه، وإن بنى دولةً ولم يبلِّغْ دعوته لم يحقق الهدف المنشود، ولم يحقق ما أمره الله وطلبه منه.


لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يفكر إلا في توحيد الله، وأن يؤمن الناسُ جميعًا بأن لا إله إلا الله، جاء المدينةَ فدعا أهلها إلى الله، ما قال لهم: أنا ملك عليكم، أنا رئيس عليكم، أنا حاكم عليكم، قال لهم: إني رسول الله، فمع الرسالة جاءه الملك، وجاءه الحكم، وجاءه أنه يقوم بكل ما تقوم به الأمة من أمور الدولة.


لذلك قال سبحانه وتعالى له ولأمته: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [النور: 55] ثلاثة أشياء ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: 55]، ماذا نفعل؟


﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 55]، وبالفعل حصل له ذلك صلى الله عليه وسلم حيث دعا الناس إلى توحيد الله سبحانه وتعالى في المدينة، دعاهم إلى عبادة الله وتوحيد الله، ونهاهم عن الشرك بالله سبحانه وتعالى، فوهبه الله الاستخلاف في الأرض، ووهبه الله التمكين لدينه الذي لم يمكَّن له في مكة، فقد مُنِعَ من أداء رسالته في مكة، وفي المدينة أصبحت المآذن تصدح بلا إله إلا الله، والله أكبر.


كذلك بيديه صلى الله عليه وسلم كلُّ السلطات؛ السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية إن صحَّ التعبير، كان بينهم قاضًا وحاكمًا ومفتيًا، ويحل مشاكلهم، كل ما تسميه اليوم وزارات كانت ممثلة فيه، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، ويؤديها على أكمل وجه، وإن رجع إلى بيته عنده تسعٌ من النساء أو أكثر، ويقوم بشئونهن، ويقوم عليهن، لا يستطيع أحد أن يقوم بما قام به صلى الله عليه وسلم.


وهبه بعد الخوفِ الأمنَ، فقد أَمِنَ الناس في المدينة؛ فهم يصلون لا يخافون، يصومون، يذكرون، يوحدون الله، يدعون الله، لا خوف بعد ذلك؛ لأنهم عبدوا الله ولم يشركوا به شيئًا.


أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الآخرة
الحمد لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول اللهِ، وعلى آلِه وصحبِه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
والهجرة والهجر كما قلنا ترك ما نهى الله عنه، هكذا بينها النبي صلى الله عليه وسلم فلا هجرة بعد الفتح، من مكة إلى المدينة، لكن بعد ذلك أن يهجر الإنسان ما حرَّم الله سبحانه وتعالى.


فالمعاصي والذنوب هذه مما نهى الله عنه، فأنت تكون مهاجرًا إلى الله إذا تركت المعاصي والذنوب، إذا تركت الغيبة والنميمة، والكذب والنفاق، والغدر والخيانة، والغش والسرقة، أنت مهاجر إذا تركت الخصومات والمشاجرات، والتراشقات الإعلامية، والتُّرَّهات.


إخواني، وهذا نداء لكلِّ من قال: أنا فلسطيني، أقول لهم إخواني في شطري الوطن: اهجروا التشرذم والانقسام، والتفرُّق والخصام، إخواني أقولها بحزن ومرارة، أقولها بقلب منقبض: أنتم حشرات! أي والله -في نظر المحتلين الغاصبين، ونشروها في إعلامهم- أنتم حيوانات في أعين الظالمين المستبدين، من أنتم في نظرهم؟ لا تساوون شيئًا.


لكن بتوحيدكم وتوحُّدكم، وتوحيد كلمتكم، ورصِّ صفوفكم، وهجر التفرق والانقسام، فأنتم بذلك أُسُود الشَّرَى، وفهود الفلا، كما قال الشاعر:
‌وَمُهَاجِرِينَ ‌كَأَنَّهُمْ أُسْدُ الشَّرَى نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
قَدْ أُيِّدُوا بِالأَوْسِ وَالنَّجَّارِ نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

إخواني، عند توحُّدكم وتوحيدكم يخافكم عدوُّكم، ويهابُكم المتربصون بكم، ويحسَب حسابكم شياطينُ الإنس والجن، فلنكن جميعًا مُتَّحدين لا متفرقين، متآخين لا متنافرين، فلنكن جميعًا يدًا على مَن سوانا، ويسعى بذمتنا أدنانا، يعني لو تدخل أقلُّ واحد فينا، وتوسَّط في أمر، يمشي كلامه علينا، ولنرحم ضعفاءنا ولنواسِ فقراءنا، ولنحترم كبارنا، ونعرف لعلمائنا حقهم، فالكبير يرحم الصغير، والصغير يحترم الكبير، هذه الصفات النبوية يا للأسف لا نجدها في تليفزيونات وطننا، ولا في إذاعات بلدنا، ولا على صفحات التواصل أو التباعُد الاجتماعي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!


فما دمنا لا نتصف بهذه الصفات الربانية النبوية؛ من إيمانٍ بالله ورسوله، وأعمال صالحات؛ فالنصر بعيدٌ بعيدٌ، والخلاص مما نحن فيه بيننا وبينه بون شاسع، والنجاة من الظلم والقهر والاستعباد بيننا وبينها خرق واسع.


فصلُّوا وسلِّموا على من في هديه الخلاص، وفي سنته النجاة، محمدِ بن عبدالله، الذي صلى الله عليه في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].


اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.


اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين.


اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرَّجته، ولا دَينًا إلا قضيتَه، ولا مريضًا إلا شفيتَه، ولا مبتلًى إلا عافيته، ولا غائبًا إلَّا رددته إلى أهله سالمًا غانمًا يا رب العالمين.

اللهمَّ وحِّد صفوفنا، وألِّف بين قلوبنا، وأزل الغِلَّ والحقد والحسد والبغضاء، من صدورنا، وانصرنا على عدوِّك وعدوِّنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: 45].



التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
عفراء باشوت متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-17-2023, 03:20 PM   #2
مشرفه عامه
 
الصورة الرمزية شمس الاصيل.
 

شمس الاصيل. is on a distinguished road
افتراضي رد: في الهجرة النبوية توكل على الله وتضحية (خطبة)🕋

شكرا على الموضوع المفيد
دام لنا عطائكم المميز
تحياتي الوردية ...
لكـ خالص احترامي
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
شمس الاصيل. غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-17-2023, 10:27 PM   #3
مراقب عام وأداري للمنتديات
 
الصورة الرمزية ريحانة شمران
 

ريحانة شمران is on a distinguished road
افتراضي رد: في الهجرة النبوية توكل على الله وتضحية (خطبة)🕋

شكرا لك
بين مواضيعكم نجد
المتعة دائماً
وفقكم الله لقادم اجمل

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ريحانة شمران متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-17-2023, 10:44 PM   #4
إداري
 
الصورة الرمزية أبو شريح الشمراني
 

أبو شريح الشمراني is on a distinguished road
افتراضي رد: في الهجرة النبوية توكل على الله وتضحية (خطبة)🕋

شكرا على الطرح الرائع
ماننحرم من جديدك المميز
خالص تقديري لك




التوقيع


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
أبو شريح الشمراني متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-18-2023, 07:53 PM   #5
 
الصورة الرمزية ابو مشعل القرني
 

ابو مشعل القرني is on a distinguished road
افتراضي رد: في الهجرة النبوية توكل على الله وتضحية (خطبة)🕋

شكرا على الموضوع / بوركت جهودك
جزاك الله خيرا
ودمت في حفظ الله ورعايته





التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ابو مشعل القرني متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-19-2023, 01:48 PM   #6
مشرفة قسم الرياضة والرياضيين
 
الصورة الرمزية شذى الياسمين
 

شذى الياسمين is on a distinguished road
افتراضي رد: في الهجرة النبوية توكل على الله وتضحية (خطبة)🕋


بارك الله فيك على الطرح الرائع
إستمر ولك التوفيق بـإذن الله
ونفعا الله وإياك بما تقدمه
تقديري وإحترامي
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة



التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

التعديل الأخير تم بواسطة شذى الياسمين ; 08-19-2023 الساعة 01:52 PM.
شذى الياسمين متواجد حالياً   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر



أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2024, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات شمران الرسمية